الكوتا النسائية: إهانة للمرأة في المشاركة السياسية
01-01-2017

لا زال المجتمع اللبناني يدين بالولاء للعقلية الذكورية السائدة فيه، اذ أصبحت تنعكس على مشاركة المرأة في جميع المجالات، وخصوصا المشاركة السياسية، فترشح المرأة للانتخابات النيابية والرئاسية ما زال خجولا. لذلك، راى متخصصون عدة ان طرح مشروع الكوتا النسائية في الحياة السياسية هي الحل. فهل توفّر الكوتا تمثيلاً أكبر للنساء في مجلس النواب ومجلس الوزراء؟ هل تؤمّن المساواة بين الرجل والمرأة؟ هل هي مطابقة للدستور؟ هل تكمن المشكلة في تمثيل المرأة أو في أساس القانون؟ وهل يقلّل مفهوم الكوتا من أهمية المرأة ويحدّ من دورها؟ 

رفعت لجنة فؤاد بطرس نصّ مشروع قانون الانتخاب إلى الحكومة عام 2006 ويتضمّن هذا النصّ طلب 30% كوتا للنساء على لوائح الترشيح لانتخابات مجلس النواب. ونصّ المشروع الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب عام 2010 على حجز 20% من المقاعد في المجالس البلدية للنساء? لكنّ المشروعين لم يبصرا النور في أروقة المجلس النيابي.

 والكوتا النسائية هي عبارة عن ثلاثة أنواع: المقاعد المحجوزة للنساء بموجب نصّ دستوري أو قانوني? الكوتا على لوائح الترشيح التي تعتمدها الأحزاب السياسية والكوتا على لوائح الترشيح بموجب نصّ دستوري أو قانوني.

 ويتحفّظ عدد من القانونيين على الكوتا فيعتبرونها غير دستورية? إذ أنّ الدستور ينصّ على المساواة بين الرجل والمرأة? بينما تكرّس الكوتا عدم المساواة? وذلك يناقض الدستور. وفي حين تبلغ نسبة النساء في أوساط الشعب اللبناني %51 فهنّ ممثّلات بنسبة %5 من مجلس النواب? وقد صنّف لبنان دولياً في المرتبة 125 من أصل 136 بتمثيله النسائي ومن بعده الكويت والسعودية.

 وعندما راقب المتخصّصون لوائح الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان، حيث التوريث هو السبيل الوحيد لوصول المرأة إلى المقعد النيابي? أشاروا إلى احتمالية أن يخلف الدكتور سمير جعجع زوجته ستريدا? وميشال معوّض والدته نايلة? ونديم الجميل والدته صولانج. أمّا المرشّحات المحتملات من النسوة الى الندوة البرلمانية فلم يرشّح منهنّ سوى إسم نايلة تويني إبنة الشهيد جبران تويني. ففي انتخابات عام 1992 فازت إمرأة من الشمال? واحدة من الجنوب وأخرى من جبل لبنان. وكانت تلك المرة الأولى التي تصل فيها النساء الى البرلمان? وهذا ما شكّل تغييراً أساسياً في التركيبة السياسية بما أنّ العنصر النسائي لم يصل الى البرلمان إلّا مرّتين بين عامي 1952 و1962 فدخلت النساء المعركة الانتخابية بهدف تحدّي التمييز السياسي الممارس ضدّهن.                                                                                        وتدنّي مستوى المشاركة السياسية للنساء واضح منذ 1953 حتّى 2013 إذ يشاركن بنسبة 3.13% من البرلمان المنتخب عام 2009 بينما لم تتخطّ النسبة 4.7% في الانتخابات البلدية عام 2010 كما يتبيّن غياب شبه تامّ للنساء عن رئاسة أيّ نقابة أو حزب.                                                    

وتؤكّد المحامية نادين موسى التي ترّشحت للانتخابات النيابية 2013 عن دائرة المتن مستقلّة وهي مرشّحة لرئاسة الجمهورية اللبنانية:" حتّى الآن لم تعتمد الكوتا النسائية في قانون الانتخاب والمرأة لا تزال مغيّبة ومهمّشة من مراكز القرار السياسي". وحسب تقرير أعدّه المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2014 حول قياس الفجوة بين الجنسين? يحتلّ لبنان المرتبة 141 بين 142 دولة أي المرتبة ما قبل الأخيرة من حيث مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

الكوتا خطوة أولى وليست هدفاً

تحرّكت جمعيّات نسائية عدّة من أجل إقرار الكوتا وطالبت بها من خلال حملة للضغط على السلطات المعنية. وأشارت مؤسّسة ورئيسة هيئة " تفعيل المرأة في القرار الوطني" حياة أرسلان إلى أنّ الكوتا برهنت فعاليتها في أكثر دول العالم تطوّراً ولولا ذلك لما أقرّتها المواثيق الدولية كوثيقة بيجينغ. كما أكّدت أرسلان أنّ المرأة قادرة كالرجل على المشاركة في القرار السياسي وقادرة أن تكون في مناصب مهمّة بفضل الكوتا  والبرهان على ذلك هو فوز 215 مرأة على كافة الأراضي اللبنانية في الانتخابات البلدية سنة 2004 وفوز 570 عام 2010.  

وهذه الجمعيات النسائية ترى أنّ الكوتا هي خطوة مرحلية أولى ضرورية في هدف إشراك المرأة في الحياة السياسية بالمساواة مع الرجل. وأوضحت أرسلان:" عندما اعتمدت الكوتا النسائية في مصر? شاركت نسبة معيّنة من النساء في الدورة الأولى? أمّا في الدورة الثالثة عندما ألغيت الكوتا لم تشارك أيّ مرأة ".

أمّا الأسباب التي تؤخّر وجود المرأة في الحكومة والبرلمان فتعود? بحسب حياة أرسلان? إلى الواقع الاجتماعي حيث تهيمن العقلية الذكورية عند المرأة والرجل? الموروثات في نظام حياتنا اليومية وشعب من دول العالم الثالث أي هو بحاجة إلى توعية في ما يتعلّق بهذا الموضوع? والتوعية تكون من خلال تعويد الناس على وجود المرأة في السياسة من خلال الكوتا ثمّ البحث عن الكفاءة.

الكوتا: صورة جديدة للتمييز

في المقابل? تعارض جمعيّات نسائية أخرى فكرة الكوتا إذ تجد أنّ هذا النظام هو تمييز في حدّ ذاته. فالمرأة شريكة للرجل وليست مساعدة? وهي تشكّل نصف المجتمع أي 50% منه فلما عليها أن تقبل ب30% في السياسة (قانون الكوتا ينصّ أقلّه 30% للمرأة)؟

في هذا الاطار? لفتت الصحافية الناشطة إجتماعياً وسياسياً في حقوق المرأة والمجتمع أمل أبو فرحات مبارك إلى أنّ " الكوتا النسائية قد تدفع قطاعات أخرى للمطالبة بالشيء نفسه مثل قطاع الشباب أو المعلّمين أو التّجّار ممّا يفقد العملية الديمقراطية جوهرها ويحوّلها إلى تقسيمات إدارية أي خلافات عديدة عند التطبيق". وأضافت مبارك:" سيداو من المعاهدة العالمية التي وقّع عليها لبنان والتي طالبت بعدم التمييز. فمهما كانت نسبة الكوتا هي تعتبر نوع من التمييز ضدّ المرأة وتحدّ من دورها? لذلك يجب النظر في كفاءة النساء". ومن الحلول التي اقترحتها مبارك بدل الكوتا? شدّدت على دور المرأة? إذا كانت في حزب معيّن? عليها أن تثابر كي يصل صوتها وتطالب بحقّها كالرجل وإذا لم تكن المرأة في حزب? فعليها أن تجتهد كثيراً كي تصل". 

قد تكون الكوتا النسائية مرحلة أولية بهدف تعزيز مشاركة المرأة في القرار السياسي? ولكنّها أيضاً وجه آخر من وجوه التمييز الجندري الذي ما زال منتشراً في المجتمع اللبناني رغم النضال المستمرّ من أجل إلغائه. فمن الأفضل اعتماد الكوتا النسائية في الحالات الطارئة كوجود خلل ديموغرافي في البلد. أمّا في لبنان? النساء يشكّلن نصف المجتمع وأكثر (53%) فمن المنطقي أن يكون لهنّ الحقّ في التواجد في البرلمان بدون الحدّ من هذه المشاركة من خلال وضع نظام يحدّ انضمامهنّ إلى السياسة. فالكوتا في هذه الحالة عبارة عن إهانة للمرأة حتّى ولو قدّمت لها نسبة عالية للمشاركة في الحياة السياسية: نسبة 80% في الكوتا النسائية تعني التمييز بين الرجل والمرأة? هي إهانة واضحة إذ يحقّ للرجل بكافّة المقاعد في البرلمان أمّا المرأة فمحصورة بعدد معيّن منها.

 الوزراء والنواب في لبنان لا يقرّون بشيء إلّا إذا وجد له نصّ قانوني رسميّ? وأحياناُ إن وجد لا يطبّق. ونظراً لعدم وجود قانون خاصّ يخوّل المرأة المشاركة التامّة في السياسة حسب كفاءتها والزعماء لم يقرّوا بعد هذا القانون ربّما خوفاً من المنافسة? فالانطلاق من الدستور قد يكون الحلّ الأنسب أيّ الانطلاق من المساواة بين الجميع. ومن هنا يأتي حلّ بديل للكوتا النسائية? فبدل أن تكون الكوتا خطوة أولى للوصول إلى اتّخاذ القرار السياسي? تصبح التوعية هي الخطوة المرحلية الأولى? توعية الرجال والشباب والنساء أيضاً. فالمرأة بحاجة أن تعلم مدى أهمية مشاركتها في السياسة ووجودها الفعلي في المجلس النيابي والحكومة بهدف لمس نسب عالية في ترشّح العنصر النسائي في الانتخابات اللاحقة.