سكارليت حداد: "أنا لست مزهريّة"
28-09-2017

إطلالات النساء الإعلامية والخطاب الذكوري

في دراسة لمؤسسة "مهارات" حول التغطية الاعلامية للانتخابات البلدية لعام 2016 تبيّن أن نسبة إطلالات الذكور عبر الإذاعة والتلفزيون هي 90 في المئة مع غياب شبه كامل للمرأة. هذا التمييز الجندري لا يقف عند حدود تغطية الانتخابات بل نلاحظ تدنّي نسبة ظهور النساء في برامج الحوار السياسي أو خلال التقارير الإخبارية كخبيرات في الشؤون السياسية والجيوبوليتيكية على سبيل المثال على مدار العام. هذا فضلاً عن مواجهة النساء خلال هذه الإطلالات - على قلّتها - الخطاب الذكوري وطغيان عنصر الذكور على الضيوف بشكل عام. وقد شهدنا في فترات سابقة تعرّض السيّدات لهجوم شخصيّ وقح من قبل السياسيين أو المشاركين في "التوك شو"، فيتطرقون إلى حياتها الشخصية وزواجها أو طلاقها أو نسبة جمالها وأناقتها أو يشكّكون في أخلاقها فقط لأنها من الجنس اللطيف، فيما لا يتم التطرّق لهذه النواحي من حياة الذكور عند حصول سوء تفاهم بين المتحاورين.

خوف من الشتائم

هذه الأسباب وسواها تمنع المرأة من التجرّؤ على الظهور إعلامياً خصوصاً خلال الحوارات السياسيّة. إضافة إلى عدم تنبّه الإعلاميين ومعدّي البرامج إلى ضرورة الموازنة من حيث جندر الضيوف. سكارليت حداد، كاتبة ومحلّلة سياسيّة وعضو مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية وصحافية في جريدة "لوريان لوجور"، هي إحدى السيّدات ممن اعتدنا ظهورهنّ الإعلاميّ. تشرح في حديث لـ"مهارات" تجربتها والعقبات التي واجهتها خلال إطلالاتها.

تقول حداد: "على العكس أجدهم أكثر لياقة بوجود النساء ويكون التعاطي "مهذّباً". في البداية كنت أخاف من الشتائم. لكن المشكلة الحقيقيّة في أن الحديث لا يكون عميقاً، كأن تفكير المرأة سطحي فيحاورونها وكأنه ثمة صراع بينهم وبينها. حتى أنّ البعض لا يحبّذ الظهور معي في الحلقة نفسها، ويُنقل إلي أنه رفض ذلك لأنني امرأة وليس لشخصي".

وتضيف "عانيت في البداية حتى قبلوا بي كمحلّلة لديها فكر وليس فقط موقفاً مسليّاً أو مثيراً للجدل. عندما بدأت بالظهور إعلامياً لم أتلقَّ أي دعم من أحد. لذلك أرى أنه على المرأة فرض نفسها وأن تقرّر ما تريد لأن ذلك بين يديها". تتابع "يعتقدون أن الحديث مع المرأة سخيف. أحد الزملاء قال لي مرة "أنتِ كْلاس"، لكنني لست مزهريّة أمامه. حتى في مجلس نقابة الصحافيين كانوا في البداية يعتبرون أن العنصر النسائي هو فقط للديكور ومع الموضة".

وترى حداد أنه ثمة تطوّر ملحوظ وأنها استطاعت فرض نفسها لكن التغيير الحقيقي مسألة تتطلب عملاً متواصلاً، "مع الوقت استطعت أن أفرض نفسي". تعلّق "أجد أن المرأة تعطى وقتاً أقل خلال الحوارات، ربما أنا لا أتكلّم كثيراً". ثم تشير إلى "أنه لا يوجد نساء كثيرات يمكن الحديث إليهنّ وأنا أفهم النساء اللواتي لا يظهرن عبر الإعلام لأنه يتمّ التعرض لهن بالشخصي وثمة أمثلة كثيرة. أما الرجل فلا أحد يعيّره بأنه بشع أو مطلّق.. إلخ. لذلك تخاف السيّدات من هذا الظهور ولا يمكن لومهنّ. بالنسبة لي أنا لا أخاف من هذه الانتقادات لأنني أعرف نفسي ولا أندم على شيء".

تعترف أن الرجال يتمّ الحديث إليهم في أكثر من مجال على اعتبار أنهم يفهمون في كلّ شيء، لكنّها تعتبر أن ذلك مخالف للمهنيّة والصدقية. تردف "نعم الرجال يمكنهم الانتقال من حديث إلى آخر حتى لو كانوا لا يفهمون فيه، بينما النساء لا يتكلّمن إلا بما يعرفن بشكل دقيق".

"لو يعلّقون على حديثي لا أناقتي"

يستفزّ حداد وضعها في إطار سياسي واحد أو الحديث إليها فقط لأنها تملك رأياً سياسياً معيّناً، تقول: "منذ 30 عاماً وأنا أعمل في هذا المجال وقد أصبح لدي الحد الأدنى من الخبرة. قلائل هم من يستضيفونني لأنني خبيرة في مجالي، أحياناً يستضيفونني لأشترك في حوار مع شخص أختلف معه في الرأي، بهدف إثارة الضحك ويعلّقون على بعض التعابير التي تصعب ترجمتها ولا يعلّقون أو يناقشون بالأفكار وهو جلّ ما أتمناه".

لا تنفي أنه ثمة تقدّم في مشاركة المرأة في الحوارات، وتعلّق "الأهم أننا بدأنا من مكان ما. في العادة يستضيفون النساء للتحليل النفسي أو للحديث عن الأطفال والعائلة، وليس للحديث في الجيوبوليتيك وكأن عقلها لا يصل إلى هذه الدرجة من التفكير وهذا ما يستفزني فعلاً. يسألون محللاً آخر عن شؤون أميركية وروسية مروراً بسوريا والكثير من الدول، فيما يحصرون أسئلتهم إليّ برئيس الجمهورية ميشال عون. لو يقرأون مقالاتي لما كانوا حصروا أسئلتهم بموقف واحد. الوضع ليس سلبياً تماماً لكن يجب أن يكثر عدد النساء وأن تقرّر المرأة أن تدلي برأيها في هذه الحوارات".

وحول دور الإعلاميين والصحافيين أنفسهم في دعوة نساء إلى الحوارات وتحقيق التوازن الجندري، تقول: "الصحافيات والمحاورات كثيرات، لكن المشكلة أن عدد الخبيرات في السياسة قليل جداً". وتضيف "لازم النساء يقوّوا قلبن. نحن في مجتمع يحب المظاهر وعلى المرأة التي تظهر عبر الشاشة أن تزيّن نفسها وتهتمّ بشعرها وماكياجها وشكلها لأنه سريعاً ما يحكم على إطلالتها وليس على كلامها ومعلوماتها". وتشرح "أنا لست ضد الأناقة بل على العكس أرتّب نفسي، لكن المرأة تخاف من الظهور كي لا يُحكم على مظهرها أو على أحد العيوب في شكلها".

تختم "يقولون لي كنت جميلة، بدوتِ أنيقة... ولا يقولون تحدّثت بشكل جميل. لا أحزن إن قالوا لي كنت أنيقة لكن أفضّل أن يقولوا لي تحدّثت بشكل جيد. لذلك أفهم مخاوف النساء وتردّدهن لكنني أدعوهنّ لمشاركة أوسع وليفرضن أنفسهنّ".