منح الجنسية لأبناء اللبنانيات... مطلب حق وليس "شحادة"
19-01-2018
 

تقضي نادرة نحاس لبنانية متزوجة من اميركي ساعات امام ابواب الأمن العام لطلب الاقامة السنوية لإبنها. طابور طويل قبل تقديم الطلب. لا تعطيها جنسية ابنها الاميركية الافضلية في هذا الطابور. هنا الجميع متساو حتى لو كانت الجنسية التي يمتلكها ابنها حلم لمعظم اللبنانيين. تشعر نحاس انها غريبة عن بلد لا تستطيع فيه منح ابنها جنسيتها. لا تختلف معاناة غادة كعكي لبنانية متزوجة من فلسطيني عن نحاس. بل تزيد صعوباتها ايضا. لا يحق لها ان تورث ابناءها عقارا تملكه (في اشارة الى عدم أحقية الفلسطيني التملك في لبنان).

تفتقد الحركات النسائية العاملة على قضية تعديل قانون الجنسية الى احصائيات جديدة. اخر دراسة لبرنامج الامم المتحدة الانمائي في العام 2009 قدرت عدد النساء المتضررات من قانون الجنسية الحالي 80 الف امرأة لبنانية بين عاميّ 1995- 2008 فقط. بالرغم من ان النضال النسائي فيما يتعلق بتعديل الجنسية في لبنان بدأ منذ منتصف التسعينات، تحديدا بعد مؤتمر بيجينغ عام 1995. اذ أطلقت مجموعة الابحاث والتدريب على العمل التنموي حملة اقليمية بعنوان "جنسيتي حق لي ولإسرتي" في العام 2002. في حين قادت لجنة حقوق المرأة اللبنانية تحالف وطني سمي باللقاء الوطني لإلغاء كافة اشكال التمييز ضد المرأة، وأطلق اللقاء حملة "جنسيتي حق لي ولأولادي". كما نفذت اللجنة الاهلية لمتابعة قضايا المرأة خلال عام 2007 مشروعا حول مناصرة القضايا التي تميز ضد المرأة، وابرز هذه الحملات حملة تعديل قانون الجنسية.

يشي غياب الاحصاءات الى عدم وضوح الأولويات والخطط للحركات النسائية. وهو ما أكدته عضو المكتب التنفيذي في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية عفيفة السيد التي قالت:"تنتقل الاهتمامات بحسب توجهات الممول، اذ تحول الحديث من تعديل قانون الجنسية الى النزوح السوري ثم الى الاصلاحات الانتخابية و"الكوتا" وصولا الى تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة السياسية".


غياب الانجازات

 لا انجازات حتى اليوم في مسيرة الحراك النسائي لتعديل قانون الجنسية، فتخفيف القيود على ابناء اللبنانيات في الاقامة وحق العمل في العام 2011، والذي اعتبرته الحركة النسائية افضل ما تم تحقيقه، لم يستمر مع الغاء وزير العمل الحالي محمد كبارة الاستثناءات الواردة في القرار الذي يحمل الرقم 1/41 المُتعلّق بـ"الأعمال والمهن والحرف والوظائف الواجب حصرها باللبنانيين فقط"، أواخر كانون الثاني من العام الحالي. يذكر ان القرار كان يستثني أبناء اللبنانيات من أحكامه، وذلك من خلال المادة الثالثة التي أشارت الى أنه "يعود لوزير العمل استثناء بعض الأجانب من أحكام هذا القرار إذا توافر فيهم أحد الشروط الواردة في المرسوم 8 رقم 17561 (من ضمنه أن يكون العامل من أصل لبناني أو مولود من أم لبنانية).

بدا ان هناك استنسابية لدى السلطات في التعاطي مع هذا الملف. فحتى مع تطبيق هذه الاستثناءات الواردة في القرار خلال الاعوام السابقة، لم يكن يحق لأبناء اللبنانيات ممارسة المهن المرتبطة بنقابة كالطب والمحاماة والصيدلة والهندسة، لأن الانضمام الى هذه النقابة يتطلب ان يمتلك المتقدم الجنسية اللبنانية.

اما في الجانب التشريعي فلا انجاز ايضا، فهناك اقتراح قانون قابع في أدراج مجلس النواب، قدمته حملة "جنسيتي حق لي ولإسرتي" مع النائب عماد الحوت منذ العام 2011، لمنح الجنسية لأبناء اللبنانيات.

لم يسفر العمل 20 عاما على قضية تعديل قانون الجنسية عن تقدم واضح! هل غياب الخطط والاستراتيجيات لدى الحركات النسائية العاملة على هذه القضية هو السبب ام ان السبب ما يفرضه الواقع اللبناني من توازنات طائفية واحجام سياسية. الامر ليس مستغربا ربما مع معرفة ان ما زال هناك العديد من القوانين التي تميّز ضد المرأة قائمة اليوم دون تعديل مثل قوانين الاحوال الشخصية، العقوبات، وقانون العمل والضمان الاجتماعي. لكن ومع استمرار هذه القضية  تتزايد المعاناة لشريحة كبيرة من النساء اللبنانيات يوميا. مما يتطلب عملا مضاعفا بحسب الامينة العامة لحملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" كريمة شبو، "كل يوم تكون هناك قضية تزيد من معاناة المرأة اللبنانية المتزوجة بأجنبي، واستنسابية السلطات اللبنانية في التعامل مع موضوع الجنسية، ما يزيد اصرارنا على حقنا منح الجنسية لابنائنا كنساء لبنانيات، والطلب يأتي من موقع قوة وليس "شحادة" من السلطات اللبنانية"، بحسب شبو.


فزاعة التوزانات الطائفية

ابرز العوائق التي تواجه العاملين على تعديل قانون الجنسية النظام السياسي الطائفي. رغبة بالمحافظة على التوازنات الطائفية، أحجام الطوائف وأدوراها، التغير الديمغرافي، منع التوطين، جميعها حجج قادها السياسيون لإحباط مسعى الحركات النسائية لرفع الظلم عن شريحة كبيرة من النساء اللبنانيات .هكذا اصبح قانون الجنسية احد الأبواب التي تحرص الطوائف على ابقائه مغلقا. يزيدها تعقيدا قضية منع توطين الفلسطينيين. اذ بات الكلام عن قانون الجنسية الذي يميز ضد المرأة مرادفا للكلام عن التوطين وكأن اللبنانيات جميعهن سيتزوجن من فلسطينيين. وبالرغم من ان نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في المخيمات والتجمعات المجاورة للمخيمات وتجمعات أُخرى، بحسب تقرير "التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان 2017"، واهم ما يأتي به هذا التقرير هو أنه يفند حجة الاخلال بالتوازنات الطائفية التي استخدمتها اللجنة الوزارية المكلفة بدراسة ملف حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها، إذ يُكذّب أرقامها التضخيمية ويعلن عن وجود 3700 امرأة لبنانية فقط متزوجة من فلسطيني.

 وفي هذا السياق تؤكد رئيسة اللجنة الاهلية لمتابعة قضايا المرأة فهمية شرف الدين ان"فزاعة الاخلال بالتوازنات الطائفية عبر تجنيس ابناء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين ليس سوى تضليل للرأي العام اللبناني، فلا يمكن ان يغيّر زواج 3700 امرأة لبنانية من التوازن الديمغرافي والطائفي في لبنان، لكن هذه الحجة وضعت لمنع المرأة من الحصول على حقها وانهاء التمييز ضدها فيما يتعلق بالجنسية".


مفارقة قانونية

ينص قانون الجنسية اللبناني الصادر في عام 1925 والمعدل في 1960 على عدم قدرة النساء على منح جنسية الام للأبناء، "يعد لبنانيا من ولد من أب لبناني". ويندرج التمييز بحق النساء في قانون الجنسية في رفض الحكومة اللبنانية الاقرار بحق موازاة النساء بالرجال على هذا الصعيد. والمفارقة الكبرى ان قانون الجنسية يعطي الأم الأجنبية التي اكتسبت الجنسية اللبنانية حق منح هذه الجنسية لأولادها القاصرين إذا بقيت على قيد الحياة بعد وفاة زوجها، فيما يمنع إعطاء مثل هذا الحق للمرأة اللبنانية الاصل. هذا يعني أن القانون اللبناني أعطى أفضلية للمرأة الأجنبية المجنسة على المرأة اللبنانية الاصل.