تعديل سن الحضانة...النساء يرفعن الصوت من اجل الإصلاح
22-01-2018

تعاني نادين جوني الحسرة نفسها كل عام، عند بداية موسم المدارس تفتقد روتين ابنها اليومي. تجهيزه للمدرسة. توديعه واستقباله عند باب المدرسة. مساعدته في تحضير دروسه. باتت القضية اشبه بحلم لنادين وعدد كبير من الامهات المحرومات من حضانة اطفالهن بسبب قوانين الاحوال الشخصية لدى الطوائف اللبنانية. اذ ينأى المشترع والقضاء المدني بنفسيهما عن كل ما له علاقة بالأحوال الشخصية للمواطنين والمواطنات تاركين الفصل فيها للمحاكم الدينيّة. عوض الحكم باسم الشعب اللبناني، تصدر الأحكام باسم الطوائف، ويكرّس الغبن باعتباره مُنزلاً من الله. المرأة هي الأضعف في هذه المنظومة الذكوريّة. منذ فترة، سُجنت فاطمة حمزة لأنها رفضت التخلي عن حضانة ابنها الذي حرمت منه بموجب حكم شرعي. ولولا التحركات والضجة الإعلاميّة التي رافقت سجنها، لربما كانت لا تزال في سجنها حتى اليوم.

تشكّل قضية الحضانة لدى الطائفة الشيعية التعسف الأكبر في قضايا الحضانة لدى الطوائف، اذ تحدد المحكمة الشرعية سن الحضانة للأم بسنتين فقط للذكر و7 سنوات للأنثى. في حين، يحدد سن حضانة الأم للطفل لدى الطائفة السنية بـ 12 عاماً للذكر والأُنثى. هذه السنّ من حق الأم فقط، فإذا انتقلت الحضانة الى أم الأم بسبب وفاة الأم، تكون سنّ الحضانة لأهل الأم 7 سنوات للذكر و9 سنوات للأنثى. أما عند طائفة الموحدين الدروز، فقد اقر مجلس النواب مؤخرا تعديل سن الحضانة بقانون، بحيث اصبحت حضانة الام للطفل الذكر حتى سن 12 عاما، وللانثى حتى بلوغها سن 14 عاما. بعد ان كان السن المحدد بـ7 سنوات للذكر و9 سنوات للانثى.

في حين، عدلت طائفة الروم الأرثوذكس المادة 57  من قانونها للأحوال الشخصية عام 2003، ورفعت سن الحضانة من 7 سنوات الى 14 سنة للذكر ومن 9 سنوات الى 15 سنة للانثى، مع الابقاء على حق الافضلية "للسلطان الابوي". اما الطائفة الانجيلية فقد عدلت قانون الأحوال الشخصية لديها عام 2006، ورفعت سن الحضانة من 7 سنوات حتى 12 سنة للذكر و 13 سنة للانثى. اما في الطوائف الكاثوليكية فأن الارضاع يختص بالأم (مدة الارضاع سنتان)، اما سائر حقوق وواجبات السلطة الوالدية فمحصورة مبدئياً بالاب، لكنها تنتقل الى الام عند سقوط حقه فيها او حرمانه منها بشرط ان تكون الام اهلا وتتثبت المحكمة من اهليتها هذه، وتمنحها اعلاماً بانتقال هذه السلطة اليها.

كذلك، تفقد المرأة حضانة أطفالها لدى الطائفة الشيعية إذا كانت على غير دين الأب أو في حال تزوّجت. كما تسقط حضانة الأم لدى الطائفة السنية بإتمام الطفل 5 سنوات في حال كانت الأم على غير دين الأب، أو إذا تزوجت. بالنسبة إلى الطائفة الدرزية، تسقط حق الحضانة للأم في حال تزوجت.


عدم الاخذ بالإجتهادات

لم يطرأ  التغيير على نظام الاحول الشخصية لدى الطائفة الشيعية منذ عشرات السنوات، وبالتالي لم يراع المشرّع العدالة في قضية رفع سن الحضانة كما يؤكد المفتي أحمد طالب. " هناك اجتهادات في المذهب الشيعي لمراجع كبار أفتوا برفع سن الحضانة للذكر الى 7 سنوات وليس سنتين كما هو معمول به حاليا". ويستغرب طالب الاصرار على عدم الاخذ بهذه الاجتهادات، خصوصا ان مصلحة الطفل هي البقاء في حضانة الام، حيث تتوفر الظروف البيئية والقدرة على الرعاية والتنشئة والتربية الصحيحة. "هناك اباء يقتضي عليهم عملهم السفر وبالتالي ليس لديهم القدرة على رعاية ابنائهم، رغم ذلك يأخذ حضانة الطفل ليساوم الام. فالطفل يُيتّم بشكل اختياري".

يرجع السبب في تقادم القوانين وعدم تحديثها الى عدم اطلاع المشرع في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى على الحاجة لرفع سن الحضانة بحسب طالب، اذ لم يضع القضاة المعنيين هذا المشرّع بالصورة حول الحالات التي يتم فيها ظلم النساء والمساومات التي يخضعن لها في قضية الحضانة.

رغم التقدم الذي أحرزته بعض الطوائف بتعديل سن الحضانة، كالطائفة السنية والدرزية والروم الارثوذوكس والانجيلية الا ان السيدات يتنازلن في عدة حالات عن الحضانة في هذه الطوائف، بحسب تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" صادر في عام 2015، للحصول على أحكام بالطلاق أو التفريق أو البطلان أو حل الزيجة. وفي تلك الحالات المرصودة في التقرير قام القاضي بالتصديق على ما اتفق عليه الزوجان السابقان من دون اعتبار المصالح الفضلى للاطفال أو سبب تنازل السيدة عن حقوقھا. وفي أعقاب تلك الاتفاقات، في الحالات التي تسعى السيدة لإسترداد الحضانة، فإن القضاة يرفضون طلبھا في المعتاد ملاحظين أن الأم تخلت عن حقوقھا كجزء من تسوية إنھاء الزيجة، من دون أن يقيّموا تلبية تلك الاتفاقات لمصالح الاطفال او عدمھا.

لرؤية الصورة الكاملة اضغط هنا

ان سطوة المجتمع الذكوري على حقوق المرأة في قضية الحضانة ستستمر الى حين. خصوصا ان نضال الحركات النسائية في هذه القضية لم يكن موحدا وضاغطا. تشتت جهود المجتمع المدني على الطوائف. بالرغم من عدة محاولات خاضها مجموعة من الناشطين عام 1998 داعين إلى تبني اقتراح رئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي بالسماح بالزواج المدني الاختياري في لبنان وما يترتب عليه من قضايا الطلاق والحضانة. لم يستطع هؤلاء كسب المعركة. اذ ان اقتراح القانون واجه معارضة شديدة من زعماء الطوائف والاحزاب مما ادى الى وضعه في ادراج مجلس الوزراء.

اضافة الى ذلك، حاول مجموعة من النشطاء عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي الدعوة الى اقرار قانون للزواج المدني او على الاقل الحصول على اعتراف من وزارة الداخلية بتسجيل عقود الزواج المدني التي اجريت في لبنان، حيث خضع هذا الامر الى الاستنسابية، فبعد ايجاد كاتب العدل طلال الحسيني ثغرة تخوّل من يريد اختيار الزواج المدني في لبنان أن يستند إليها، وتحدد أن العروسين يجب أن يكونا ممن لا ينتسبون إلى طائفة أو من غير المصرحين بطائفتهم. هذه الحالة نص عليه الدستور اللبناني عام 1926 والقانون 60 ل.ر سنة 1936 وتنطبق على كثيرين بحسب الوثائق التي تمتلكها الدولة اللبنانية منذ العام 1939. القانون الساري المفعول يقضي بأن يخضع هؤلاء للقانون المدني في أحوالهم الشخصية. وقد سجلت وزارة الداخلية هذه العقود في فترة الوزيرين زياد بارود ومروان شربل ثم اوقف تسجيلها خلال فترة وزير الداخلية الحالي نهاد المشنوق.

وامام هذا الجدار الطائفي اتجه البعض الى تغيير الاستراتيجية وتعديل قوانين الاحوال الشخصية لدى كل طائفة على حدى، مما اخر عملية التغيير لسنوات عدة، واضاع الجهود. اذ لا يتوانى هذا الجدار عن انتزاع الأمومة عبر ثغرات في قوانين الاحوال الشخصية للطوائف فضلا عن النظام الأبوي لمجتمعنا االلبناني. هكذا تحرم عدد من النساء أولادهن باكراً، في حال حدوث الطلاق، او تخترن البقاء في سجن زوجي يعيق خياراتهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لعدم خسارتهن اولادهن.

"والحل ربما بتجميع الجهود لتغيير تلك العقلية الطائفية الذكورية المسيطرة عبر رفع الصوت والنزول الى الشارع. مما سيساعد في تغيير طريقة تعامل السلطات الدينية في مختلف الطوائف مع قضية رفع سن الحضانة"، كما تؤكد  رئيسة حركة "حماية المرأة اللبنانية" زينة ابراهيم، "هناك افكار بدأت في التغيّر خصوصا لدى علماء الدين في الطائفة الشيعية بسسب رفع الام لصوتها عاليا، فالمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى يبحث قضية الحضانة للأم بشكل جدي في الوقت الحالي".