دفعت الحرب في لبنان البلاد إلى أزمة إنسانية حادة، إذ تسببت في نزوح أكثر من مليون شخص، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة.
وفي خضم هذه الظروف الصعبة، برز دور عدد من الشبان والشابات الذين سعوا إلى مساندة المتضررين والتخفيف من معاناتهم. ومن بين هؤلاء يارا عبدو، الصحافية والناشطة الإنسانية البالغة من العمر 25 عاماً، التي أطلقت مبادرة "Meet أهلها" عام 2024 في محافظة عكار خلال الحرب في لبنان، وها هي اليوم تكمل مبادرتها.
وتهدف هذه المبادرة إلى دعم الفئات الأكثر تهميشاً خلال الأزمات، ولا سيما النساء والأطفال والتي تحمل اسم "Meet أهلها" كدلالة تجمع بين اللغتين العربية والإنجليزية؛ فكلمة "Meet" تعني التعارف واللقاء، فيما تشير كلمة "أهلها" إلى الناس وبيئتهم المضيافة.
وعند انطلاق المبادرة، شجّعت عبدو ستة شبان وشابات من مناطق لبنانية مختلفة على للانضمام إليها، وتروي عبدو: "بصفتي صحافية، أشعر بمسؤولية اجتماعية وإنسانية. وفي خضم الأزمة والانقسام الطائفي، كان لدي دافع قوي لترك أثر إيجابي".
ومن خلال المبادرة، عملت عبدو وفريقها على تأمين مساكن لعائلات نازحة، حيث جرى توفير 40 موقعاً سكنياً في عكار. كما تولّى الفريق توزيع مواد غذائية وأدوية وملابس وفرش ومستلزمات صحية خاصة بالنساء.
إلى جانب ذلك، نظّمت المبادرة جلسات دعم نفسي وورش توعية حول الصحة الجنسية والإنجابية في المدارس. ويعكس عمل عبدو مبادئ قراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1325 و2250، الصادرين عامي 2000 و2015 على التوالي، واللذين يدعوان إلى تعزيز مشاركة النساء والشباب في قضايا السلم والأمن، عبر إشراكهم في صنع القرار ومنع النزاعات ودعم مبادرات بناء السلام.
كسر الصور النمطية
ورغم الأثر الإيجابي الذي حققته المبادرة، تؤكد عبدو أن عملها لم يخلُ من التحديات. وتوضح أن أحد أبرز هذه التحديات يتمثل في صعوبة تجاوز الانقسامات وفقدان الثقة بين الناس، إذ تقول إنّ "الناس مرهقون وفقدوا الثقة. أحياناً يعتقد البعض أننا نكذب عندما نقول إننا نريد مساعدتهم".
كما تشير إلى صعوبة الاقتراب من العائلات التي فقدت منازلها أو أحد أفرادها خلال الحرب. ولم تقتصر التحديات على ذلك، إذ واجهت عبدو أيضاً صعوبات شخصية كمرأة شابة تقود مبادرة إنسانية: "كان البعض يستخف بقدراتي كامرأة، ويتساءل إن كنت قادرة على مساعدتهم في تأمين منازل. لكنني أثبتُّ لهم أنني أستطيع".
كما تعرّضت لتعليقات تمييزية تتعلق بمظهرها، إذ تروي أنّ "البعض كان ينتقد ملابسي أو مظهري بدلاً من التركيز على عملي. لكن ذلك لم يمنعني من الاستمرار في إحداث تأثير اجتماعي إيجابي".
دافع للتغيير
تؤكد عبدو أن تجربتها الشخصية لعبت دوراً أساسياً في تشكيل شعورها بالمسؤولية المجتمعية، وتقول: "انحدر من مجتمع يستهين بدور النساء، حيث يُتوقع منهن غالباً أن يلتزمن الصمت أو البقاء في المنازل. وإذا رفعت امرأة صوتها، تتعرض للانتقاد. أردت كسر هذه الصورة النمطية وإثبات أن النساء قادرات على المساهمة في صناعة التغيير وقيادة المبادرات".
وتأمل عبدو أن ترى الفتيات في قريتها ومجتمعها في قصتها مثالاً يحتذى به، وأن يؤمنّ بقدرتهن على إحداث فرق، كما تشدد على الدور المحوري للشباب في تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء السلام.
وتقول: "الشباب هم عماد المجتمع. فهم يربطون الناس ببعضهم البعض ويخففون من حدة الانقسامات المناطقية والطائفية. وعندما يعمل شباب من الشمال والجنوب والبقاع وبيروت معاً، فإنهم يرسلون رسالة قوية عن الصورة الحقيقية للبنان، وهي الوحدة والتضامن".
وتضيف: "وأنا في الخامسة والعشرين من عمري فقط وتمكنت من إطلاق مبادرة وإحداث أثر إيجابي، فإنني آمل أن يسلك آخرون نفس الطريق ويؤمنون بأنفسهم وبأنّ لا شيء مستحيلاً".
وترى عبدو أن على الحكومة تعزيز مشاركة الشباب من خلال دعم وتمويل المبادرات الشبابية التي تشجع التنوع ومشاركة النساء، وتختم بالقول: "يجب أن يثقوا بأن جيلنا قادر فعلاً على إحداث التغيير".
النساء والشباب في صلب بناء السلام
في لبنان، يجري تنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 عبر الاستراتيجية الوطنية (2022- 2030) التي تقودها الحكومة بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز مشاركة النساء في الحوكمة والمؤسسات الأمنية وجهود بناء السلام وحمايتهن من العنف.
وعلى الرغم من تنفيذ عدد من الإجراءات أو بدء العمل بها، فإن عوائق بنيوية مثل عدم الاستقرار السياسي والأزمة الاقتصادية واستمرار عدم المساواة بين الجنسين تشير إلى الحاجة لمزيد من الجهود.
أما القرار 2250، فقد دفع لبنان إلى الاعتراف بأهمية مشاركة الشباب من خلال سياسات مثل السياسة الوطنية للشباب ومبادرات تشجع انخراطهم في بناء السلام وتنمية المجتمعات. إلا أن تنفيذ هذه السياسات لا يزال جزئياً وغير منتظم، كما أن مشاركة الشباب في صنع القرار السياسي الرسمي لا تزال محدودة.
وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذها لبنان لتنفيذ هذين القرارين، فإن أهدافهما لم تتحققا بالكامل بعد، ممّا يستدعي مزيداً من الجهود لدمج النساء والشباب بشكل فعلي في مسارات السلام والأمن. وتبقى تجربة يارا عبدو مثالاً على قدرة الشباب والنساء على إحداث تغيير إيجابي في مجتمعاتهم، والمساهمة في تعزيز التضامن وبناء السلام في أوقات الأزمات.
TAG : ,مساعدة ,نازحون ,لبنان ,حرب ,مبادرة ,يارا عبدو ,meet أهلها