Loading...
لماذا يودّ لبنان استيراد نفط عراقي غير مطابق للمواصفات؟

 

صرّح وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر في 3 شباط 2021 عقب لقائه رئيس الجمهورية لاطلاعه على الاتفاق مع دولة العراق على تأمين النفط لمؤسسة كهرباء لبنان، أنّ النفط العراقي غير مستوف للشروط والمعايير. لكنه تحدّث عن إمكانيّة تحويله أو إجراء تبادل للحصول على فيول يلائم المعايير، على حدّ تعبيره.

بعد انفجار المرفأ في الرابع من آب، قدّم العراق هبة من الغاز أويل إلى لبنان . حينها، أصدرت وزارة الطاقة اللبنانية بياناً في 23 أيلول الماضي، أفادت أنّه بعد الفحوصات تبيّن أن هذا الغاز أويل غير ملائم للإنتاج في معامل الكهرباء. وتمّ تسليمه على الفور إلى الجيش اللبناني بعد أخذ موافقة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والجهة العراقية الواهبة.

وهنا يطرح سؤال نفسه: ما هي الأسباب التي قد تدفع بوزارة الطاقة اليوم إلى إبرام اتفاق مع العراق، بعد بضعة أشهر من إعلانها أن الغاز أويل العراقي غير مطابق للمعايير؟

وبحسب غرينبيس يحتوي النفط العراقي على نسبة عالية من الكبريت (من 3% إلى 4%) فيما مواصفات المعامل اللبنانية و«ليبنور» تفرض أن تكون نسبة الكبريت أدنى من 1%. ويؤدي حرق النفط الذي يحتوي نسب عالية من الكبريت إلى انبعاث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكبريت في الهواء، وهو ملوث سام وعديم اللون يزيد من مخاطر الحالات الصحية الحرجة بما في ذلك السكتة الدماغية وأمراض القلب والربو وسرطان الرئة والوفاة المبكرة.

السيناريو المطروح

تطرح وزارة الطاقة والمياه بلسان الوزير غجر سيناريو تبديل النفط العراقي (swap)، أي إعطاء هذا النفط إلى شركة خاصّة، على أن تزودنا الأخيرة مقابله بنفط مطابق لمواصفات المعامل اللبنانية.

توضح مديرة المنشآت النفطية في وزارة الطاقة أورور فغالي في حديث لمهارات نيوز أن الأمر يحتاج إلى دراسة، وعملية التبادل ستتمّ بإعطاء النفط الخام إلى شركة خاصّة، ما زالت مجهولة الهويّة حتّى الساعة، تعطينا بالمقابل فيول أويل من فئة (أ).

وهنا تطرح علامات استفهام بشأن هوية هذه الشركة والكلفة الإضافية التي ستترتّب على لبنان في هذه الحالة، إضافة إلى طريقة الشحن. باقتضاب، تجيب فغالي "كلّه لا يزال قيد الدرس".

وتعزو فغالي التوجه إلى النفط العراقي بالتسهيلات التي تمنحها بغداد في ما يتعلّق بدفع المستحقّات على مدى ستّة أشهر، مع عدم إمكانية المفاوضة على تمديد مهلة الدفع لسنة كاملة نظراً للوضع الاقتصادي الصعب في العراق أيضاً.

وفي هذا الإطار، تطرح الخبيرة في النفط والغاز لوري هايتيان رداً على تصريح غجر تساؤلات عدّة حول الشفافية في ما يتعلّق بالشركة التي ستتكفل بعملية التبادل وضرورة شرح المسألة بالتفصيل، التي لا يمكن أن تمرّ بكلام مبهم.

وساطة في الاستيراد

ومن المرجّح أن تدخل شركة وسيطة مجدداً بين الدولة اللبنانيّة والمورّد الأساسي للنفط، أي العراق، في تكرار لتجربة سمحت لدوامة الهدر والفساد بأن تتسّع خلال السنوات الأخيرة.

ولعلّ التجربة مع شركة ZR energy التي دخلت على خط الفيول-أويل كوسيط بين الدولة اللبنانية وشركة سوناطراك خير دليل على ذلك، بعد سطوع نجم الشركة في الرّبع الأول من العام 2020 في ما يُعرف بقضية الفيول المغشوش والنزاع القضائي القائم حاليّاً مع سوناطراك.

وبعد انتهاء عقد سوناطراك من دون إيجاد بديل، بدأت وزارة الطاقة الاستعانة بآلية العقود الفورية المعروفة باسم "سبوت كارغو" لتأمين حاجة مؤسسة كهرباء لبنان من المشتقات النفطية. وغالباً ما تلجأ الحكومات إلى هذه الآلية، التي تقوم على عملية تسليم واحدة وسريعة، لتلبية حاجة طارئة.

وتم نهاية الشهر الماضي ابرام عقد لتأمين 70 ألف طن من الفيول من الفئة الأولى لتأمين الكهرباء خلال الشهر الحالي. وقدمت شركة  ZR energyعرضاً بقيمة 22.2 دولاراً للطن الواحد، بما في ذلك كلفة الشحن والتأمين والأرباح، في حين كانت سوناطراك تؤمن ذلك مقابل نحو 30 دولاراً.

عملياً، لم يُستخدم دخول الدّولة على خط الاستيراد في بداية 2019 لكسر احتكار الشركات، وما جرى هو نزول وزارة الطاقة كشريك مضارب في السوق وإدخال مستورد جديد إلى الساحة بقواعد اللعبة السياسية نفسها، مع التزام ضمنيّ بعدم المساس بمصالح الشركات العاملة وأرباحها. وسهّل ذلك استقبال لاعب جديد على الطاولة وسمح لأطراف سياسية جديدة ببسط نفوذها على حصة من السّوق.

وبشكل آخر، فإنّ سياسة "من هالك لمالك لقبّاض الأرواح" تعدّ في ظل النهج السياسي القائم باحة خلفيّة خصبة للصفقات خصوصاً في كهف وزارة الطاقة والمياه، على وقع تجارب سابقة تفتقد إلى ألف باء الشفافيّة.

 والمطلوب اليوم إعلان كامل لتفاصيل الاتفاق مع الدولة العراقيّة ومع الشركة التي سيوكل إليها تبديل النفط بنفط مطابق للمواصفات وتفاصيل الكلفة الماليّة التي ستترتّب على الدولة اللبنانيّة. وإلى حينها، تبدو كل الأسئلة وعلامات الاستفهام والشكوك بالنوايا السياسيّة مشروعة مقارنة مع حجم الفساد المتفشّي في قطاع الطاقة في بلد تحتضر قطاعاته كافة.

TAG : ,استيراد نفط ,لبنان العراق ,وزارة الطاقة والمياه ,ريمون غجر