Loading...
استبدال الفيول العراقي بفيول مطابق: صحوة ضمير أم صفقة جديدة؟

 

بعد إعلانه  في 3 شباط 2021 عن عدم مطابقة النفط العراقي للمواصفات اللبنانية، وأن الأمر لن يشكل عائقاً أمام استيراده مع  القدرة على إجراء عملية استبدال (swap) مع شركة خاصة تزود لبنان بنفط مطابق ، أرسل وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر في 22 شباط 2021 ملاحظاته على مسودة الاتفاق التجاري المرسلة من العراق.

وتنصّ المسودة  على تزويد العراق لبنان بـ500 ألف طن من الفيول أويل الثقيل، مقابل حصولها على أدوية وسلع لبنانية. وجاءت ملاحظات غجر طفيفة من دون أي تغيير أو إضافة على  فحوى الاتفاق، بحسب ما ذكرته جريدة الأخبار.

وفي إطلالة عبر برنامج "عشرين 30"، أكد غجر الإثنين أن لبنان ينتظر اليوم توقيع الاتفاق مع  الحكومة العراقية لإتمام الصفقة 

فهل المشكلة الفعليّة في لبنان تتعلّق بالمواصفات فحسب؟ وما الاتفاق الذّي سيرسو عليه  لبنان والشركة المستبدلة للنفط الخام؟

 النفط المستورد سابقاً

تقول الصحافيّة العراقيّة نوام ريدان المتخصّصة في النفط الخام والناقلات والجغرافيا السياسية في الخليج العربي، إنّ النفط العراقي هو نفط مرّ(sour)  لاحتوائه  على نسبة عالية من الكبريت (حوالى4%) وعناصر أخرى غير مرغوب فيها.

 في القرار الظنّي الصادر بتاريخ 10/7/2020 في قضيّة الفيول المغشوش، يفيد المدعى عليه ريمون عسّاف بأنه يعمل في المختبر المركزي التابع لمنشآت النفط منذ العام 1992 بموجب عقد عمل جماعي. وتتضمّن مهماته إجراء الفحوصات على المستوردات النفطية، إصدار صدا النتائج بعد اطلاع رئيس المختبر جورج الصانع عليها، عبر تطبيق  واتساب او الفاكس.

وإذا جاءت النتيجة خارج المواصفات، يبلغ رئيس المختبر  بالموضوع، ويعود للأخير أن  يصدر وثيقة الى المدير سركيس حليس الذي بدوره يقرر مصير الناقلة لجهة رفضها أو إعادة فحصها مجدداً. أمّا إذا كانت النتيجة مطابقة للمواصفات، يطلع  الصانع على النتائج  ويرسل نسخة عنها الى شركة المراقبة و الجهات المختصة. وقال في إفادته إنه  لا يخضع لأي مراقبة في إنجاز عمله.

وبحسب القرار الظني ذاته، أدلت ميرنا الخطيب، وهي المختصّة بفحص نسبة الكبريت ورئيسة قسم منذ 1998،   بأنّ ريمون عساف هو من يستلم العيّنات وهي تقوم بفحصها. وقالت إنّ عيّنة BALTIC استلمها ريمون وفض اختامها و جهزها و وز عها تمهيدا للمباشرة بفحصها قبل حضورها الى المختبر، وانها اجرت الفحوصات المختصة بها وقد أظهرت نسبة الترسبات ان المعدل 9.0% وانها وقعت النتيجة وسلمتها الى ريمون عسّاف. ولاحقاً بتاريخ 1/4/ 2020  استلمت عينات جديدة من معمل الجية و معمل الذوق للناقلة ذاتها و فحصت العينة الجديدة فجاءت نتيجة الترسبات حوالي 4% وقد سلمتها كما هي الى ريمون عساف.

وقد اعترفت الخطيب  بتقاضيها وعسّاف رشاوى  على شكل رزمات من الدولارات من طارق الفوّال، الوكيل البحري لسوناطراك ومدير العمليات في  ZR energy من عام 2015 حتّى 2017.

وأكد الفوال أن  مدير شركة ZR energy ابراهيم الذوق هو  من طلب منه  دفع مبالغ مالية الى رؤساء المختبرات تتراوح قيمتها بين 2000 و2500 دولارعن كل باخرة، وكان بدوره ينقل هذه المبالغ لكل من رفعت العاكوم ومحسن غالب وميرنا الخطيب وأوضح أنه واصل القيام بهذه المهمة رغم تركه العمل في الشركة وانتقاله الى شركة فيكتوار، بصفة وكيل بحري لشركات عدة منها ZR energy.

ويقود الاطلاع على الإفادات الواردة في القرار الظنّي إلى أنّ عمليّات الرشوة في حقل استيراد النفط تعود الى عشرات السنوات. وبمعنى آخر، ونظراً الى أنّ النفط الثقيل يقلّ سعره عن النفط المطابق للمواصفات، انتهجت كارتيلات النفط في لبنان طيلة سنوات استيراد نفط غير مطابق للمواصفات وتزوير نتائج المختبرات لإقناع المواطن أنّه مطابق، هو ما وسّع بالتالي هامش هدر المال العام والصفقات على حساب صحّة المواطنين وسلامة البيئة.

ولعلّ معمل الزوق يشكل مثالاً صارخاً عن الكوارث  الناتجة عن اشتعال الكبريت، إذ يُعدّ  من بين النقاط الساخنة في العالم لانبعاث ثاني أكسيد الكبريت، وفقًا لتقرير نشرته منظمة غرين بيس  عام 2019. وقد أظهرت تقارير مختلفة وأوراق أكاديمية محلية التأثير الضار للمحطة على البيئة وكذلك على صحة السكان في بلدة زوق مكايل حيث تقع، وهذا الوضع مستمر منذ أوائل التسعينيات .

وتقول الأستاذة في الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت نجاة صليبا إنّ "محطة توليد كهرباء الزوق خطيرة لأنها تطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكبريت وكميات عالية من الهيدروكربونات السرطانية متعددة الحلقات من بين العديد من المواد الكيميائية الأخرى".

 وتبرز ريدان في مقالها في مقالها مخاطر النفط الثقيل على الصحّة و التكلفة العالية التي يتسبّب بها لصيانة المعامل (الزوق والجيّة).

النفط العراقي

 إنطلاقاً من المعطيات السابقة، يتبيّن أن الأمر قد لا يتعلّق  بمسألة  مواصفات. ولا تزال هوية الشركة التي ستتولى استبدال النفط الثقيل، وفق ما ذكر وزير الطاقة، مجهولة حتى الساعة. وتتحدّث مديرة المنشآت النفطية في وزارة الطاقة والمياه أورور فغالي عن سيناريو من  شقّين:

  • إعطاء هذه الكميّة (500 ألف من النفط الخام) لشركة تمنح  الدولة اللبنانية عوضا عنه نفطاً مطابقاً للمواصفات(GRADE A)، لكن بكميّة أقل، فعند تكريره من الرواسب، يخفّ وزنه تلقائياً
  • تسديد أتعاب الشركة، إمّا عبر الدفع لها أو عبر أخذها نسبة من هذا النفط.

أي أنّه وبشكل آخر، وإنّ صحّت نظرية صحوة الضمير باعتماد تبديل النفط العراقي بنفط مطابق للمواصفات من الفئة "أ"، تسقط تلقائيّا فكرة تأمين لبنان لنصف حاجته من النفط، انطلاقاً من أنّ 500 ألف طنّ من النفط الخام لا تعادل 500 ألف طنّ من الفيول أويل GRADE A .

تحتاج مؤسسة كهرباء لبنان مليون طنّ من الفيول أويل GRADE A سنوياً. وتبلغ سلفة الخزينة المخصصة للمؤسسة مليار دولار (ألف و٥٠٠ مليار ليرة محولة عبر مصرف لبنان إلى الدولار).

ومن المتوقّع في العام الحالي، ألا تكفي هذه السلفة لتأمين حاجة المؤسسة،فهي تحتاج أيضاً الى مليون طنّ من الفيول GRADE B ومليون طنّ مازوت، خصوصاً أن سعر النفط وصل حالياً إلى ٦٤ دولاراً للبرميل. وهو ما يحتّم إما زيادة التقنين،  أو  الاستمرار بالتغذية بالطاقة القصوى مع ما يعنيه ذلك من إمكانية الوصول إلى إطفاء المعامل مع نفاد المليار دولار.

ويملك لبنان، وفق ما قال غجر في مقابلته الأخيرة، "الأموال  الكافية لاستيراد الفيول لكهرباء لبنان حتى نهاية  شهر آذار" مضيفاً "نعتمد بذلك على سلفة من الخزينة، وإن لم تتوفّر الأموال اللازمة، قد نصل إلى انقطاع تام للكهرباء بعد نهاية هذا الشهر".

في ملف النفط العراقي، تسير الدولة اللبنانية نحو سداد قيمة 500 ألف من النفط الخام على شكل سلع طبيّة وخضار وخدمات أخرى. وفي هذا السياق،  تقول الصحافية نوام ريدان لمهارات نيوز أنّ " العراق ليس بحاجة الى الخضار من لبنان، إذ لديه الأسواق الايرانية.أمّا في ما يتعلّق بالأدوية فلا أظنّ أن ما يشهده لبنان اليوم يضعه في موقع تقديم سلع دوائيّة للعراق".

وبالتالي، فإنّ المطلوب اليوم هو الشفافيّة المطلقة في ملف النفط العراقي، بدءاً من الكميّة التي سيستفيد منها لبنان مروراً بطريقة الدفع الفعليّة وهوية الشركة التي ستقوم بتبديل النفط الخام لى آليّة الشحن وتكلفته لتكرّ مسبحة الشفافية والمحاسبة الى كل قطاع الطاقة واستيراد النفط الذّي شكّل عبر سنوات وكراً لهدر المال العام والصفقات "عالعتمة".

TAG : ,النفط العراقي ,العراق ,لبنان ,ريمون غجر ,الطاقة ,النفطنفط ثقيل ,فيول أويل