Loading...

الحدود الأخلاقية الغائبة بين المساعدة الآلية والتزييف في بعض وسائل الإعلام التونسية

 

في أحد أكشاك العاصمة في شارع باريس، حيث تباع أشهر عناوين الصحف التونسية والعربية هناك، تتجاور الصحف اليومية والأسبوعية على الرفوف. يكفي فقط التركيز في الصفحة الأولى لإحدى تلك الصحف وتحديدا صحيفة الشروق اليومية التي تعتبر الأولى انتشارا في تونس، حتى تلاحظ الصورة الرئيسية للعنوان الأبرز مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.

 

في العديد من الصحف، والمواقع الالكترونية لبعض المؤسسات العمومية باتت الاستعانة بهذه التقنيات ظاهرة يومية متزايدة، من دون غطاء بسيط يفصل بين الواقع والخيال. إذ تغيب في معظم الأحيان الإشارة التوضيحية أو الوسم الذي يُخبر القارئ بأنّ ما يراه ليس صورة واقعية بل مجرّد صورة تقريبية مولدة بالذكاء الاصطناعي.

 

هذا الواقع الجديد وضع المشهد الإعلامي المحلي أمام سؤال جوهري، أين تقف الحدود الفاصلة بين استغلال التقنية لتقليص التكاليف واختصار الوقت، وبين الوقوع في فخ التزييف وخداع الجمهور، أو الالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي؟.

 

عينة من الصحف والمواقع الالكترونية

اخترتنا في هذا التحقيق اختيار عينة من الصحف الورقية وعينة من المواقع الالكترونية. وتم الاختيار على صحيفة الشروق التونسية كونها الأولى مبيعا في تونس. فيما تم اختيار موقع إذاعة موزاييك اف ام كونها الأولى استماعا ومتابعة أيضا في تونس. وقد تم اختيار بعض الأعداد الصادرة عن صحيفة الشروق في أبريل الماضي، والتدقيق في الصور المنشورة على الصورة الأولى للصحيفة وتحديدا الموضوع الرئيسي فيها والمتعلق بأكبر حدث عالمي. وبعرض الصور على موقع zerogpt للتأكد من الصور، ثبت أنّ أغلب العينات من صور الصفحة الأولى لتلك الصحف هي مولدة بالذكاء الاصطناعي.

 

كذلك الأمر بالنسبة للعينة التي اختيارها من موقع موزاييك أف أم. فقد تبيّن أنّ الصور بالفعل مولد بالذكاء الاصطناعي ولكن لم يتم التنصيص على ذلك في أسفل الصورة أو في أسفل المقال المرفق. وقد تم تدقيق الصور أيضا عبر موقع zerogpt ليتبين أنّها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

 

وقد انتقل النقاش في الوسط الإعلامي في تونس من مرحلة الذهول بالقدرات التقنية للآلة إلى مواجهة ممارسات يومية تتقاطع مباشرة مع المبادئ الأخلاقية للعمل الصحفي. يتجسد التحدي الأبرز في خداع الجمهور البصري من خلال استخدام صور ومقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي لتغطية قضايا وطنية كالمناخ والأزمات الاقتصادية والتحركات الاحتجاجية والبيئة، وتسويقها كصور واقعية تنقل حقيقة ما يحدث ولكن ليس بالدقة الكافية أو الدقة التي تنقلها الصور الواقعية.

 

يقول محمّد (اسم مستعار) صحفي يعمل في إحدى الصحف التونسية اليومية، "نحن نواجه اليوم ضغوطا زمنية رهيبة في غرف الأخبار. يطالبنا القائمون على النشر بإنتاج مواد مرئية خلال دقائق. نلجأ إلى عدّة أدوات لتوليد صور تعبيرية تعوض غياب المادة المصورة من الميدان. المشكلة أننا وسط هذه العجلة نتغاضى عن وضع تنبيه يُعلم القارئ بأنّ الصورة مولدة آليا. ولكن يتحول الأمر تدريجي إلى اعتياد مهني".

 

من جانبه، يوضح صابر العياري رئيس صحفي ومدقق بموقع تونس تتحرى "أنّ "التحدي الحقيقي اليوم يتجاوز الصور ليمس النصوص والبيانات". مضيفا "نخشى تحول العمل الصحفي إلى مجرد عمليات نسخ ولصق لمخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي دون تدقيق أو جهد تحليلي ميداني. كما أنّ الجودة الصحفية والنزاهة المهنية تحت المحك، خاصة عندما يقع تغليب المنطق التجاري وسرعة النشر على حساب التدقيق الأخلاقي".

 

 

وتكشف قراءة واقع المشهد التونسي عن فجوة هيكلية بين سرعة تدفق أدوات الذكاء الاصطناعي وتخلف الأطر التنظيمية والمواثيق الداخلية للمؤسسات. وقد أكد رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين زياد دبار أن "ميثاق الشرف الصحفي التقليدي يفرض بالضرورة تحري الدقة والشفافية وعدم مغالطة القارئ، لكن الواقع يتطلب مراجعات صريحة تحين القواعد وتواكب التحول الرقمي لمنع استسهال الكسل المهني". مضيفا "رصدنا في الفترة الأخيرة ارتفاعاً في حجم المحتوى المضلل والمركب باستخدام الذكاء الاصطناعي في الفضاء الرقمي التونسي. وعندما تشارك بعض وسائل الإعلام المحلية عن قصد أو غير قصد في نشر صور أو مواد غير موثقة دون إشارة لوضعها الافتراضي، فإنّها تساهم بغير وعي في إضعاف البيئة المعلوماتية وتسهيل مهمة صُنّاع الشائعات".

 

ميثاق أخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي

من جهته استشعر مجلس الصحافة التونسي خطورة المرحلة وعمل على وضع ميثاق استخدامات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، كخطوة إرشادية تهدف لترسيم الحدود بين النزاهة والتضليل، وحث غرف الأخبار على اعتماد سياسات علنية للإفصاح. وقد جاء في بيان صادر عن المجلس مؤخرا أنّه "لا يمكن محاربة التطور التقني بإغلاق الأبواب أمام الأدوات الحديثة، بل ينبغي تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة دعم مسؤولة عبر تنظيمها بحزم. وتبقى الرقابة البشرية والضمير المهني صمام الأمان الوحيد لوئد التضليل في مهده".

 

وبحسب بيان المجلس "يشهد المشهد الإعلامي التونسي تحولاً رقمياً عميقاً، يتميز بدمج متزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات جمع ومعالجة وإنتاج ونشر المعلومات. هذا التحول السريع والشامل يعيد تعريف الممارسات الصحفية، وأوقات العمل، والعلاقات بين الإعلام والمصادر والجمهور. وفي هذا السياق، يظهر الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه، كفرصة مهنية وكتحدٍ أخلاقي كبير، فهو يُوفّر إمكانيات جديدة في مجال المساعدة في البحث، وتحليل البيانات، ومعالجة المحتويات المعقدة، وتحسين الصيغ التحريرية. ومع ذلك، فإن استخدامه دون إطار أخلاقي قد تنجرّ عنه مخاطر كبيرة، خاصة فيما يتعلق بموثوقية المعلومات، وتكرار التحيزات، وتشابه المحتويات، وتشتّت المسؤولية التحريرية".

 

كما أكد مجلس الصحافة أنّ هذا الميثاق "يهدف، إلى بناء إطار من الثقة المشتركة بين الصحفيين والمؤسسات الصحفية والجمهور. ويسعى إلى مواكبة استعمال الذكاء الاصطناعي في الممارسات الصحفية التونسية، من خلال التأكيد على مبادئ واضحة ومتوافقة مع الأسس الأخلاقية للمهنة. ولا يهدف هذا الميثاق إلى عرقلة الابتكار التكنولوجي أو إعاقة تكيف الإعلام مع التطورات الرقمية، بل يندرج ضمن منطق ضمان الاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي، مع التذكير بأنّ الصحفي يظل، في كل الحالات، الضامن الوحيد للاختيارات التحريرية والتحقق من المعلومات وتفسيرها".

 

وأكد مجلس الصحافة في الميثاق الذي أصدره بتاريخ 15 مارس 2026 على "أنّ الذكاء الاصطناعي يُعتبر أداة مساعدة وتعزيز للكفاءات المهنية، وليس بديلاً عن الحكم البشري أو أخلاقيات المهنة الصحفية أو المسؤولية الاجتماعية للمعلومة. ويجب أن يساهم استخدامه في تحسين جودة العمل الصحفي وفي ضمان حق المواطن في معلومة موثوقة ومتنوعة وموضوعة في سياقها. ومن خلال تحديد معالم أخلاقية مشتركة، يسعى هذا الميثاق إلى الحفاظ على استقلالية الصحافة التونسية أمام المنطق التكنولوجي والاقتصادي والخوارزمي، وضمان أن يظل الذكاء الاصطناعي رافعة للتحرر المهني، وليس مصدرا للتضليل الإعلامي، أو التلاعب، أو التخلص من المسؤولية التحريرية".

 

كما حدّد مجلس الصحافة جملة من المبادئ التوجيهية الأساسية ترتكز أساسا على السيادة البشرية والمسؤولية، فالذكاء الاصطناعي مساعد، والصحفي هو المسؤول الوحيد قانونيا وأخلاقياً عن المحتوى المنشور. كما أكد المجلس "على واجب إخطار الجمهور باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج (الكتابي أو السمعي البصري) من خلال إشارة واضحة خلال كامل المسار التحريري. والتحقق المنهجي من المعلومات المقدمة من قبل الذكاء الاصطناعي أمر ضروري لمواجهة "هلوسات" الآلة. بالإضافة إلى منع إدخال بيانات حساسة أو مصادر سرية أو بيانات شخصية في أدوات ذكاء اصطناعي تابعة لجهات خارجية".

 

 

من جهته استعرض رئيس المجلس، منوبي المروكي، رؤية شاملة لتنظيم المشهد الإعلامي في ظل الطفرة الرقمية، محدداً معالم الحقوق والواجبات لمختلف الأطراف، حيث "يُعطى الصحفيون الحق الكامل في استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة عملهم، شريطة التزامهم بالتدريب المستمر في مجالات الأمن الرقمي والأدوات الحديثة، مع مراعاة حقوق الملكية الفكرية والشفافية التامة مع الجمهور أثناء إعداد المحتوى أو تدريب الخوارزميات". وفي المقابل، أكد رئيس المجلس أنّه "تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية وضع مواثيق تحريرية خاصة بكل غرفة أخبار وإتاحتها للعلن، إلى جانب حماية الأمان الوظيفي للصحفيين ورفض استخدام التكنولوجيا كذريعة للاستغناء عن الكوادر أو المساس ببيئة العمل، مع التأكيد على أهمية تطوير برمجيات خاصة وتوظيف متخصصين في المجال مع الكشف عن مصادر البيانات المستخدمة".

 

وأوضح المروكي أن "تغييب أو تجميد الهياكل التعديلية فاقم من حالة العشوائية التي يشهدها القطاع، مشيراً إلى أن الأزمة أعمق وتتمثل في واقع مالي مأساوي يعصف بالمنصات الصحفية والعاملين فيها، مما ينعكس سلباً على الاستقلالية وجودة الطرح، فضلاً عن تراجع التزام البعض بأخلاقيات الضوابط المهنية، وهو ما يتطلب معالجة عاجلة ترتكز على التدريب المستمر، والتوعية، وإعادة الاعتبار لشرف الممارسة الصحفية".

 

وفيما يتعلق بالحلول الممكنة، شدد المروكي على "أنّ المجلس لوحده غير قادر على إصلاح الوضع، وأنّ المخرج من الأزمة يتطلب عملاً مشتركاً بين كل المتدخلين في القطاع، وعلى رأسهم الدولة التي يجب أن تضطلع بدورها عبر وضع سياسة إعلامية واضحة تدعم استقلالية الصحافة وتضمن ظروف عمل محترمة".

 

ضرورة تعزيز التدريب في استخدامات الذكاء الاصطناعي

أكدت سهيرة اللحياني، استاذة بمعهد الصحافة ورئيسة الجمعية التونسية للإعلام والذكاء الإصطناعي أنّ "الفرص التي يُوفرها الذكاء الاصطناعي لتطوير الإعلام وضرورة التكيف مع التحولات الرقمية وتعزيز التدريب المستمر للصحفيين على أدوات الذكاء الاصطناعي.

 

وأوضحت سهير، أنّ "الذكاء الاصطناعي يساعد على تسريع إنتاج المحتوى الإعلامي سواء عبر توليد صور أو فديوهات ويختصر الوقت خلال العمل. كما يُسهّل تحليل كميات ضخمة من البيانات، وتطوير أساليب نشر المعلومات. لكن ذلك يتطلب تنظيم العمل فيما يتعلق بالأخلاقيات المهنية والتكوين والمسؤولية التحريرية. ويتطلب ضرورة احترام الأخلاقيات الصحفية والابتكار في أساليب العمل ومواكبة احتياجات الجمهور مع التركيز على تعزيز مصداقية الإعلام ودوره في دعم النقاش العمومي. مضيفة أنّه على المؤسسات الإعلامية اليوم أن تؤسس لمواثيق أخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي لاحترام ما تفرضه أخلاقيات المهنة الصحفية".

 

كما أكدت رئيسة الجمعية أنّ "أغلب المؤسسات الصحفية في تونس لم تعتمد ميثاقا خاصا بهذا في العمل الصحفي داخل المؤسسات. وبعض المؤسسات الأخرى تعتمد مواثيق قديمة في علاقة بأخلاقيات العمل الصحفي. وتتطلب تلك المواثيق اليوم تعديلات وإدراج بنود جديدة في علاقة باستخدامات الذكاء الاصطناعي".

 

ويتضح أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد خيار تقني في غرف الأخبار، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على صناعة الإعلام برمتها. ولأن التكنولوجيا أداة ذات حدين، فإن تقنين وتنظيم العمل الصحفي يمثل طوق النجاة لحماية المهنة من مخاطر التضليل وفقدان المصداقية.

 

تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. واستُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه. ويُنشر بالتزامن مع Climate AI.

 

TAG : ,الحدود الأخلاقية ,المساعدة الآلية ,التزييف ,وسائل الإعلام التونسية