Loading...
هيئة ادارة قطاع البترول.. صلاحيات محدودة ومؤشرات عالية على ضعف الرقابة

 

حَرَف الاحباط الذي اعترى اللبنانيين بعد الكشف عن نتائج الحفر في البلوك رقم 4 في المياه الاقتصادية اللبنانية، الانظار عن "هيئة ادارة قطاع البترول" التي لم تخرج من وصاية وزير الطاقة اللبناني، ولم تتمتع بالاستقلالية التامة، وخضعت آلية تعيين أعضائها الى عرف المناصفة الطائفية في التعيينات في الادارات الرسمية.

فالهدف الرئيسي لانشاء هيئة إدارة قطاع البترول (LPA) يتمثل في المساهمة في تحقيق أقصى قيمة إقتصادية وإجتماعية ممكنة من خلال القيام بالأنشطة البترولية، بالتزامن مع الحفاظ على البيئة، كما يجري العمل على تحقيق هذا الهدف من خلال الإدارة الرشيدة للموارد البترولية والتخطيط الاستراتيجي بأبعاده الإقتصادية والتقنية والجيولوجية والبيئية والمالية، وفق ما يورد الموقع  الرسمي لوزارة الطاقة والمياه، وهو ما يمثل حزمة من التحديات التي من المفترض على الهيئة مواكبتها.

من الناحية النظرية، تبدو هذه الأهداف مشجعة، لكن عملياً تبرُز الكثير من التساؤلات حول مدى تنامي العقبات أمام هذه المواكبة، لعل أبرزها الإشكالية المرتبطة بعدم التجديد لأعضاء الهيئة أو إنتخاب أعضاء جدد لها، والذين إنتهت ولايتهم في  ديسمبر/كانون الاول 2018. ومع أن البيان الوزاري لحكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة نصّ على "تجديد ولاية هيئة إدارة قطاع البترول أو تعيين مجلس إدارة جديد لها"، إلا أن ذلك لم يحدث، مما خلق إشكالية تتمحور حول  صوابية المبرر القانوني الذي تستند إليه في إستمرارها بعملها والأرجح أنه "بحكم الأمر الواقع".

واللافت أن التناقض يلازم طبيعة هذه الهيئة وآلية عملها، فهو قائم منذ الإعلان عن تأسيسها في الرابع من كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٢ بموجب المرسوم ٧٩٦٨/٢٠١٢ ، وذلك انفاذاً للمادة العاشرة من القانون ١٣٢/٢٠١٠ بدليل ما أشار إليه المدير السابق للمحاسبة  العامة في وزارة المالية الدكتور أمين صالح، الذي قال: "هذه الهيئة مؤلفة على أساس 6 و6 مكرر، يعني ستة أعضاء لست طوائف، كل طائفة تتناوب على رئاسة هذه الهيئات مدة عام. وبالتالي إذا حاولت هذه الهيئات أن تستقل في رأيها وفق القوانين التي أنشأتها، ماذا يحصل عندنا؟ يمنعون عنها الموازنات إلى أن تخضع لرأي ممثلي المكونات السياسية التي تشكل النظام في لبنان".

ويخلص صالح في كتاب "تعارض المصالح في الدولة والمجتمع" الصادر في العام 2017 الذي شارك مجموعة مؤلفين في تأليفه الى ان هذه الظروف مجتمعة "تؤدي الى حالة الفساد المستشرية، وهذه الحالة إن شاء الله يستطيع المجتمع والحراك المدني أن يبدآ بمعالجتها".

هيئة ادارة قطاع البترول

تعد الهيئة مؤسسة عامة ذات طابع خاص مسؤولة عن إدارة القطاع البترولي في لبنان، وتتألف من ست وحدات هي التالية: وحدة التخطيط الاستراتيجي، وحدة الشؤون الفنية والهندسية، وحدة الجيولوجيا والجيوفيزياء، وحدة الشؤون القانونية، وحدة الشؤون الإقتصادية والمالية، وحدة الجودة والصحة والسلامة، والبيئة Q،  وهي خاضعة لوصاية وزير الطاقة والمياه، ثم لرقابة رئاسة الحكومة.

ويعتري الهيئة غموض المبرر القانوني لإستمرارها بعملها بعد انتهاء ولايتها. تسأل المديرة التنفيذية للمبادرة اللبنانية للنفط والغاز ديانا قيسي في مقابلة مع "مهارات نيوز": "إذا كان هناك من مبرر ساعد الأعضاء  كي يبقوا في عملهم لمدة وجيزة، فكيف ذلك والمدة على وشك أن تصبح سنتين؟ وكيف لرئيس الهيئة أن يبقى هو نفسه لمدة سنتين متتاليتين؟".

وربطاً بذلك، فإن موازنة الهيئة متوقفة منذ نهاية العام 2018، فكيف تتدبر الهيئة أمورها؟ وبالتالي من أين تأتي بالتمويل؟ من يدفع كافة النفقات العائدة لها؟ وكيف تحافظ على إستمراريتها؟

مجموعة الأسئلة تلك، طرحتها المبادرة على أعضاء الهيئة خلال أحد الإجتماعات بها ليأتي الجواب: "تم اقرار الموازنة الخاصة بالاعوام 2018 و2019 و2020 لكنها حتى اليوم متوقفة، وتحديداً من القسم الأخير  لموازنة العام 2018 وحتى اليوم".

ولا يبدو أن آلية المحاصصة إلى أفول، فما ظهر أن الحكومات المتعاقبة منذ العام 2012  تضع الكثير من أصحاب الكفاءات في قطاع النفط، خارج سباق المنافسة المفترض خوضه بين أصحاب الكفاءات من الطوائف كافة، بحسب ما تقول مديرة "معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" لوري هايتانيان في حديث لـ"مهارات نيوز"، كاشفةً أن تشكيل الهيئة يُجسد دليلاً واضحاً وفاضحاً على "المحاصصة" بين أهل السلطة، شارحةً: "فيما تؤكد الحكومات المتعاقبة إعتمادها آلية علمية تنافسية شفافة في كافة التعيينات الإدارية، والكفيلة بإيصال الكفوء بعيداً عن المحاصصة، لا يزال الكثير من الابواب مفتوحاً لتنساب منه المحسوبيات بطريقة مرنة".

اليوم، ومع تفاقم الوضع الإقتصادي وتدهور قطاعاته كافة، تتجه الأنظار إلى الثروة النفطية مُقابل الشواطئ اللبنانية، وفي حال صحّت التوقعات (المتنوعة الأرقام) حيالها، فإن النفط والغاز سيشكلان مورداً ذا تأثير مباشر، في إعادة بناء وصوغ هيكلية جديدة  للإقتصاد اللبناني الذي يقف على شفا الإنهيار التام. ليبرز السؤال: "هل أعطيت الهيئة الناظمة لقطاع النفط الصلاحية الكافية أم لا؟".

هيئة إستشارية أكثر منها ناظمة

والعودة إلى قانون الأنشطة البترولية على البر رقم 132 /2010  والصادر في العام 2010 والذي حدد عملها كهيئة ناظمة وليس كهيئة استشارية، توضح أن أداءها منذ 8 سنوات أقرب إلى الهيئة الإستشارية. وفي ذلك تعطي قيسي مثالاً: "في بريطانيا الهيئة الناظمة لقطاع النفط هي من يعطي التراخيص، فيما لا تتمتع الهيئة في لبنان بالحرية الكاملة كهيئة ناظمة، لكنها لا تزال تعمل كهيئة إستشارية في ظل المنظومة السياسية القائمة"، مطالبةً بمراجعة أدائها وفقاً للصلاحيات الممنوحة لها وفقا لهذا القانون.

ومن الأدلة على أنها أقرب إلى "الهيئة الإستشارية"، يبرز ما توضحه هايتانيان قائلة: "الحكومة ملزمة بالإطلاع على الإستشارة التي تقدمها الهيئة، لكن الوزير ومجلس الوزراء لديهما الحرية المطلقة بإتخاذ القرار النهائي حتى لو كان عكس ما تضمنته استشارتها". وتضيف: "كل موضوع (أساسي) تقوم الهيئة بإصدار توصية به وترفعها إلى الوزير، الذي بدوره يرفعها الى مجلس الوزراء، والاخير هو الذي يأخذ القرار النهائي بالموضوع"، في اشارة الى ملفات مثل البلوكات التي سيتم التنقيب بها، وعددها، ومن هي الشركات التي سيتم تلزيمها الحفر والتنقيب، ومع من سيتم توقيع الاتفاق الخاص بذلك.

وتؤكد قيسي أن الهيئة هي من المؤسسات القليلة في الدولة التي طبقت بالكامل قانون الوصول الى المعلومة Access to information law ، فهي نشرت طوعياً معلومات حول الميزانية وقطع الحساب والنفقات، والعقود مع المستشارين حتى العام 2019 وتتحضر لنشر الداتا الخاصة بالعام 2020 بعد إنتهائه.

بدورها تحرص الهيئة - بحسب ما يورد الموقع الرسمي لوزارة الطاقة والمياه- على التعاون والتنسيق مع سائر الجهات الحكومية، المنظمات الدولية، المؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، كما وتبذل كل الجهود اللازمة لضمان نجاح وشفافية عملية التنمية المستدامة في كافة مراحل الأنشطة البترولية، وجذب المستثمرين على الاهتمام الدائم بثروة لبنان الهيدروكاربونية.

مستوى الحوكمة والشفافية "وسط"

وفي السياق عينه، يرى رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية ومحاضر في اقتصاد الطاقة في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور منير راشد في حديثٍ لـ"مهارات نيوز" أن مستوى الحوكمة الرشيدة  والشفافية للهيئة "وسط" لا أكثر، فهي تضع على موقعها الرسمي الكثير من المعلومات والنشاطات، مستدركاً "لكنها تُغيب مثلاً التفاصيل عن العقود، وكيفية التوصل اليها، وإذا وُجد بعضها يكون غير واضح، فمثلاً لا نجد عليه المعلومات الدقيقة عن العقود التي وقعتها الدولة مع "الكونسورتيوم" الثلاثي للتنقيب عن النفط والغاز".

وأعلنت السلطات اللبنانية دخول البلاد نادي الدول النفطية مع مباشرة "كونسورتيوم" يضم "توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية و"نوفاتك" الروسية الحفر أول بئر إستكشافية في البحر في الحوض نفسه في 27 فبراير/شباط 2020 ، بعد توقيع " الكونستوريوم"  العقود مع الدولة اللبنانية في العام 2018 لاستكشاف النفط والغاز في رقعتين بحريتين (الحوض الرابع والحوض التاسع).

ويرى الدكتور راشد أنه لو كان وزير الطاقة يرغب بوضعها في متناول الرأي العام لكانت متوافرة، "لكن للأسف يمكننا القول أن الشفافية هو عامل مطلوب، لكن تفتقر إليه في كل الدوائر والهيئات الرسمية".