Loading...

إستراتيجية الحماية الإجتماعية في لبنان: خطة متكاملة ينقصها التمويل!

 

في ظل تفشي الأزمة المالية والإقتصادية التي لا زالت تُرهق اللبنانيين منذ سنوات، أقرّ لبنان الإستراتيجية الوطنية للحماية الإجتماعية في 13 شباط 2024، بعد أكثر من 3 أعوام من العمل المشترك بين عدّة منظمات دولية كاليونيسف ومنظمة العمل الدولية، وبين الدولة اللبنانية.

 

يأتي إطلاق إستراتيجية الحماية الإجتماعية في سياق الالتزام ببعض ما تعهد به لبنان عند توقيع إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار "3RF" مع المجتمع الدولي والذي جاء كاستجابة لانفجار مرفأ بيروت عام 2020 وأكد على ضرورة حماية أفراد المجتمع وتحصينهم عبر المساعدات والبرامج النقدية من جهة، وعبر السياسات والتشريعات التي تضمن لهم حماية اجتماعية حقيقية من جهة أخرى. 

   

وتُعتبر الإستراتيجية خطوة مهمّة في جهود التعافي، والأولى نحو إصلاح نظام الحماية الإجتماعية الوطني ليصبح نظامًا منصفًا وحديثًا من الناحية التشغيلية والمالية، كما أنها باتت أداة ضرورية للتحوّل من تدابير مؤقّتة لإدارة الأزمات الى سياسات وحلول مستدامة طويلة الأجل. 

 

عقد جديد بين المواطن والدولة

تسعى دول العالم لتفعيل أسس الحماية الإجتماعية لأنها السبيل الأنجح للحفاظ على استقرار المواطن وضمان أمنه الاجتماعي، الاقتصادي والصحي، وذلك عبر سنّ القوانين والتشريعات التي تضمن له حقوقه بطريقة مؤسساتية تحميه من الإرتهان والزبائنية. فهل انتهج لبنان هذا الخط أخيرًا بإقراره استراتيجية الحماية الإجتماعية؟ وما هي تفاصيل الخطة؟

 

يشرح مستشار وزير الشؤون الإجتماعية د. بيار باز لموقع "مهارات نيوز"، أن المقصود من استراتيجية الحماية الاجتماعية أن تشكل أساسًا لعقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة، عقد يكرّس الحماية الاجتماعية كحقّ من حقوق الإنسان دون استثناء، حيث تركّز الاستراتيجية على اتّخاد تدابير فورية واعتماد استراتيجية طويلة الأمد لبناء نظام شامل ومستدام قادر على الإستجابة للصدمات الحالية والمستقبلية بما يحقّق الإدماج الاجتماعي ويخفّف من حدّة الفقر، وهي ترمي أيضًا إلى الحَؤول دون المخاطر المستقبلية التي قد تطال الفقراء والفئات الأكثر ضعفًا والطبقة الوسطى.

 

ويقول باز: "توفر الإستراتيجية تقديمات كالمنح الإجتماعية وبرامج التأمين ضد البطالة والرعاية الصحية وبرامج التقاعد، وتدعم أنظمة الحماية الإجتماعية للفئات المهمشة خلال مختلف مراحل دورة الحياة من الطفولة إلى ما بعد سن العمل بما يشمل الأشخاص ذوي الإعاقة".

 

وبحسب وزارة الشؤون الإجتماعية وقبل إطلاق الإستراتيجية رسميًا، كانت شريحة من اللبنانيين قد بدأت بالإستفادة الفعلية من البرامج المتضمنة في الإستراتيجية ومنها المساعدة النقدية لما يقارب 14 ألف من حاملي بطاقة المعوق الشخصية الصادرة عن وزارة الشؤون الإجتماعية ضمن الفئة العمرية 15-30 عامًا.

 

 

بانتظار التطبيق!

العملية التشريعية في لبنان مستمرة وان كانت بنسق بطيء، فهي دائمًا حاضرة وموجودة، ولكن غياب التطبيق هي السمة الأبرز لهذه القوانين، كما أن وجود العراقيل السياسية والمادية التي تحول دائمًا دون تنفيذ المشاريع هي أهم أسباب عدم ثقة المواطن اللبناني بحكومته.   

 

تصف منسقة الحماية الإجتماعية في مركز العلوم الإجتماعية للأبحاث التطبيقية "CESSRA" صبحية نجّار الإستراتيجية الجديدة بأنها تعزيز للعدالة الإجتماعية والقدرة على الصمود من "المهد إلى اللحد". وتقول في حديثها لـ"مهارات نيوز": "تمنح الإستراتيجية كل فرد في المجتمع الحق في الضمان والحماية الإجتماعيّة والتعليم بإعتباره حقًا مكرسًا ضمن حقوق الإنسان، كما تؤمّن حق الفرد بالمطالبة بحقوقه كمواطن، دون الحاجة إلى الزعيم والطائفة، والفعاليات السياسية".

 

وتعتمد الاستراتيجية وفق نجّار، على 5 ركائز أساسية مترابطة في ما بينها، من النواحي الإدارية والقانونية، المؤسساتية والحقوقية، "وهذا ما لم نعتده كمواطنين في لبنان"، وتَوفّر هذه الركائز يتطلب جهدًا وزاريّا وحكومة إلكترونية لتسهيل المعاملات، ووقف السياسة الزبائنية المتبعة في الإدارات العامة. وتتمثل الركائز الخمس في:

1. المساعدات الاجتماعية.

2. التأمين الاجتماعي.

3. الوصول المالي إلى الخدمات (التعليم والصحة).

4. الإدماج الاقتصادي وتنشيط سوق العمل.

5. الرعاية الاجتماعية.

 

وتضيف نجّار:"تأتي في ركيزة الاستراتيجية إجراء إصلاحات أساسية مثل أن يشمل المعاش التقاعدي العاملين في القطاع الخاص، وتأمين الدخل لكبار السن، وتحسين التغطية الطبية للأشخاص ذوي الإعاقة، كما تعزز الاستراتيجية التنسيق والعمل المشترك بين الجهات الحكومية وغير الحكومية المعنية، بهدف تحقيق أولويات السياسة الاجتماعية في البلاد".

 

في المقابل يصف عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي صادق علويّة في حديثه لـ"مهارت نيوز" الإستراتيجية الوطنية للحماية الإجتماعية بأنها عبارة عن خطط وكلام معسول يفتقر الى التطبيق، تُضاف الى الاستراتيجيات السابقة، فسبق أن قرر مجلس الوزراء بقراره رقم 69 تاريخ 20 أيار 2022 الموافقة على الإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية وتكليف اللجنة الوزارية واللجنة التقنية إعادة صياغة الإستراتيجية في ضوء النص المقترح من قبل وزير الشؤون الاجتماعية، ووضعت وزارات العدل والعمل والشؤون الإجتماعية تعليقات وتفاصيل عدة عليها. و"النتيجة واضحة، كله  كلام لا يمكن تطبيقه من دون موارد مالية".

 

ويضيف علويّة، تتناول الإستراتيجية توسيع مروحة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولكن، "لو كانت الحكومة صادقة لكانت اهتمت بتغطية المضمونين الحاليّين بتغطية صحيّة حقيقية بدلًا من تركهم مع الضمان في مهب الريح". 

 

وبحسب علويّة، تبلغ الكلفة الاضافية لتغطية المضمونين الحاليين 31  ألف مليار، "فهل فكرت الحكومة في كيفية تأمينها لتحويلها الى الضمان لمساعدته لإعادة التغطية إلى سابق عهدها؟ حيث أن شمول آخرين بالضمان الصحي في هذه الحالة يُعتبر شيكًا بدون رصيد". متابعًا، يجب أن تُنفق الحكومة 10% من موازنتها السنوية (٣١ الف مليار)على الضمان الاجتماعي لاستشفاء المضمونين وهو أمر لازم وعاجل جدًا يجب أن تتضمنه الاستراتيجية.

 

دعم دولي تقني ومالي 

لطالما اعتادت منظمات الأمم المتحدة الوقوف الى جانب لبنان ودعمه في أزماته، سواءً فيما يتعلّق بالإنسان مباشرة من خلال التمكين وتأمين سُبل الرعاية الإجتماعية، أو عبر المساعدة في صنع السياسات الوطنية بالتعاون مع الجهات الرسمية اللبنانية. ومن المبادرات هي مشاركة منظمة "اليونيسف" ولعبها دورًا أساسيًا في إطلاق الإستراتيجية الوطنية للحماية الإجتماعية في لبنان. 

 

وتنفذ "اليونيسف" التي تعتبر الحماية الإجتماعية حق أساسي من حقوق الإنسان عدّة برامج في هذا المجال، من المساعدات الاجتماعية وحماية الطفل، الدعم المالي للوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، والإدماج الاقتصادي للشباب.    

 

ويشرح المكتب الإعلامي لمنظمة "اليونيسف" في بيروت لموقع "مهارات نيوز"، البنود الأساسية المتعلقة بحماية حقوق الأطفال المتواجدة في الإستراتيجية، والتي تتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي صادق عليها لبنان، حيث تم تصميمها باستخدام منهجية تجمع بين النهج القطاعي لبرامج الحماية الاجتماعية ونهج دورة الحياة لدى المستفيدين المحتملين والمجموعات المستهدفة، وتتداخل حقوق الطفل فيها عبر الركائز الخمس للاستراتيجية:

- المساعدات الاجتماعية: والتي تُدرك أهمية توفير دعم دخل الأفراد والأسر التي تعاني من الفقر ونقاط الضعف في دورة الحياة، وإحدى المبادرات المقترحة هي إنشاء منح اجتماعية تُكمّل برامج استهداف الفقر الحالية مثل منحة الطفل.

- الرعاية الاجتماعية: بحيث يكون أحد الأهداف الرئيسية للإستراتيجية في هذا الإطار هو توفير سلسلة متواصلة من الرعاية لمعالجة نقاط الضعف المتعددة واحتياجات الفئات الضعيفة، بما في ذلك الأطفال وأسرهم.

- الدعم المالي للوصول إلى الخدمات: بما في ذلك الوصول إلى خدمات التعليم والصحة.

- الإدماج الاقتصادي وتنشيط سوق العمل: تتضمن هذه الركيزة مبادرات لتعزيز الترابط بين أنظمة التعليم الثانوي والجامعي والتعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل.

- التأمين الاجتماعي: تضمن هذه الركيزة مبادرات لتعزيز برامج الحماية الاجتماعية القائمة على الاشتراكات والتي تشمل تقديمات على مستوى الأسرة وبدلات للمساهمين.

 

وحول مدى صعوبة تطبيق الإستراتيجية، قال المكتب الإعلامي لليونيسف:  "تحتاج الاستراتيجية إلى خطط تنفيذ، بالإضافة إلى هياكل تنسيق وحوكمة راسخة وفعّالة يجري العمل على وضعها حاليًا، ونظرًا للوضع الاقتصادي الحالي في البلاد، تفتقر الحكومة إلى القدرة المالية والتشغيلية (بما في ذلك الموارد البشرية) لتكون قادرة على تفعيل الاستراتيجية بشكل كامل على المدى القريب، ومع ذلك، يتم التخطيط لتحقيق وتنفيذ تدريجي للمبادرات على 3 إلى 5 سنوات، ومن الجدير بالذكر أن هناك بالفعل العديد من المبادرات في جميع الركائز قيد التنفيذ، على سبيل المثال لا الحصر: توسيع نطاق تغطية برامج المساعدات الاجتماعية، وقانون إصلاح الانظمة التقاعدية الذي تم إقراره مؤخرًا، واستراتيجية التعليم والتدريب المهني والتقني، والدعم المالي للوصول إلى خدمات التعليم".

 

ويضيف المكتب الاعلامي بأن "اليونيسف" دعمت مع منظمة العمل الدولية الحكومة اللبنانية في مسار الاستراتيجية منذ بداية تطويرها عام 2019، وقدمت الدعم التقني والمالي خلال مسارات التشاور والصياغة التي أثمرت إعلان الوثيقة النهائية الموضوعة اليوم.

 

وتؤكد اليونيسف على ضرورة تفعيل الحماية الاجتماعية حيث باتت الأزمة العميقة مكلفة جدًا للأسر وبطبيعة الحال للأطفال، حيث كشف تقييم سريع أجرته اليونيسف في شهر تشرين الثاني الماضي أن أكثر من ربع الأسر في لبنان (26%) لم ترسل أطفالها الذين هم في عمر الدراسة الى المدارس، وهذه النسبة ارتفعت عن آخر تقييم مماثل أجرته اليونيسف في نيسان 2023 حيث كانت النسبة 18%. ومما زاد الأمر سوءًا، إقفال عشرات المدارس في جنوب لبنان بسبب الصراع الدائر ربطًا بحرب قطاع غزة.

 

وتُظهر بعض الأرقام الخاصة التي حصل عليها موقع "مهارات نيوز" من قِبل مكتب "اليونيسف" في بيروت مدى تأثير الأزمة المادية والاجتماعية على أطفال لبنان، وتشير الأرقام للآتي:

- ارتفاع عدد الأسر التي ترسل أطفالها (تحت سن 18) إلى العمل للتمّكن من الصمود ليصل إلى نسبة صادمة بلغت 16% مقارنة بنسبة 11% في شهر نيسان 2023.

- اضطرت 8 من أصل كُل 10 أسر إلى إقتراض المال أو الشراء بالدّين للحصول على المواد الغذائية الأساسية.

- يؤثر الحرمان بشكل كبير على الصحة النفسية للأطفال، حيث أفادت 4 من كُل 10 أسر عن معاناة أطفالها من القلق، وتحدثت 24% من الأسر عن معاناة الأطفال من الإكتئاب بشكل يومي.

 

 

استراتيجية تكاملية!

الحديث عن استراتيجيات للحماية الإجتماعية وتفعيلها في لبنان ليس وليد الساعة، فهو مسار انطلق في السنوات الأخيرة وخاصة بعد تفشي الأزمة الاقتصادية أواخر العام 2019، انتشار جائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وما تلاه من توقيع لإطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار "3RF"، وعليه أطلقت الدولة اللبنانية في العام 2020 برنامجين للمساعدات النقدية، الأول تحت اسم "أمان" واستهدف 150 ألف عائلة ويرصد 20$ لكل فرد من العائلة لغاية 6 أفراد و25$ على العائلة كدفعة أساسية.

 

أما البرنامج الثاني هو برنامج البطاقة التمويلية، وهو برنامج للأشخاص الذين كانوا ميسورين وأصبحوا عكس ذلك بسبب الأزمة الإقتصادية التي عصفت بلبنان، إذ يقدم البرنامج لكل فرد من الأسرة مبلغ 25 $ شهريًا، ويخصص مبلغ 15$ لكل شخص في الأسرة يتجاوز 64 عامًا، على ألاّ يتعدى المبلغ الأقصى للأسرة الواحدة 126$. ولكن البرنامج لم يبصر النور بسبب عدم القدرة على تأمين التمويل له، كما يوجد أيضا  "البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقرًا"، وهو برنامج دائم في وزارة الشؤون وأطلق عام 2011.

 

هذا فضلًا عن برنامج البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة الذي أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية في شهر نيسان/أبريل 2023، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي واليونيسف ومنظمة العمل الدولية ويقدّم البرنامج للأشخاص ذوي الاعاقة بدلا شهريّا قدره 40 دولار أميركي لكل شاب وشابة لمدة 12 شهرًا ليغطّي بمرحلته الأولية 20000 شخص.

 

لم تنجح هذه البرامج طيلة السنوات الماضية في تأمين حماية اجتماعية فعليّة للمستفيدين منها، فهي أولا قدمت مبالغ زهيدة لا تحاكي واقع الأزمة العميق الذي يمر به لبنان، وثانيًا أنها لم تترافق مع اجراءات بنيوية اصلاحية واقتصادية تضمن استقرار نقدي ومالي للمواطنين، فالحماية الاجتماعية ليست مساعدات ظرفية يمحوها التضخم بل هي مفهوم كامل يشمل الطبابة، السكن، الضمان الاجتماعي وضمان الشيخوخة، حماية الأمومة والطفل، العاطل عن العمل والمتقاعد. وكانت مؤسسة مهارات قد طرحت موضوع  الحماية الاجتماعية في عدّة تقارير سابقة  نظرًا لأهمية هذه القضية وتأثيرها المباشر على المواطن.

 

بالعودة لاستراتيجية الحماية الاجتماعية المُقرّة، يؤكد الدكتور بيار باز أنها تواجه تحديًا كبيرًا على صعيد التمويل اللازم لها فالحكومة إتخذت خطوة متقدمة في رصد بعد الاعتمادات في موزانة العام 2024 وهو إنجاز. ولكن يبقى العمل الأهم هو تثبيت آلية تمويل واضحة ترتبط مباشرة بأهداف الإستراتيجية إضافة إلى الدعم الدولي في هذا الشأن.

 

وفي سؤال عما إذا كانت الإستراتيجية ستؤدي إلى توقيف مساعدات البرامج النقدية للحماية الإجتماعية، يقول باز: "هذه الإستراتيجية تضم كافة برامج المساعدات والرعاية الإجتماعية الهادفة إلى توسيع شبكات الأمان الإجتماعي للأسر التي تعيش في الفقر المدقع، حيث نصّت على أن تكون جزءً من النظام الوطني للمساعدات الإجتماعية الذي يراعي الترابط بين العمل الإنساني والتنمية".