Loading...

خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة: هل سيتغيّر المشهد البيئي في لبنان؟

 

أطلق وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين مشروع الحد من تلوث مياه البحر المتوسط "رمال" عبر تعزيز الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في المدن الساحلية. وينطوي هذا المشروع ضمن خارطة طريق أعدّتها وزارة البيئة اللبنانية بالتعاون مع البنك الدولي لإدارة قطاع النفايات الصلبة مستندة إلى عدّة ركائز تهدف إلى إصلاح القطاع وتنفيذ الأولويات للسنوات 2023- 2026. فما هي ركائز خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة في لبنان؟ وما هي التحديات في إطار تنفيذ المشاريع؟


 

خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة: لإنقاذ القطاع من الانهيار

في وقت يعاني فيه لبنان من أزمات على جميع الأصعدة، يشكّل قطاع التلوّث البيئي والنفايات الصلبة إحدى هذه الأزمات، لذك وضع إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار(3RF) خطة لإنشاء مجموعة عمل مخصّصة للملف البيئي تحت إسم (planet results group) بقيادة برنامج الأمم المتحدة للبيئة(UNEP) بالإشتراك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(UNDP)، على أن يتمّ تحديد أعضاء مجموعة العمل بالتشاور مع وزارة البيئة ومع القيادات المشتركة بهدف الحفاظ على مبدأ الشمولية الخاص بالـ3RF.

 

وقد تمّ إعداد خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة، كجزء من برنامج المساعدة التقنية للبنك الدولي بالتعاون مع وزارة البيئة وبناء على مشاورات مكثّفة مع الجهات المعنية الرئيسية، وتقوم هذه الخارطة على عدّة ركائز كما وتعرض الإصلاحات ذات الأولوية على صعيد حوكمة القطاع ووضع سيناريوهات لتأمين الخدمة المحلية الأساسية، بالإضافة إلى تقديرات بشأن احتياجات التمويل والاستثمار.

 

ويقول وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين لـ"مهارات نيوز" إنّ قطاع النفايات الصلبة في لبنان تأثّر بشكل كبير جرّاء الأزمة المالية في البلد، بالإضافة إلى التراكم الهائل لسوء إدارة هذا القطاع ما قبل الأزمة المالية، لذلك تمّ إطلاق خارطة الطريق لإنقاذ القطاع من الإنهيار بالإضافة إلى التأسيس بشكل إصلاحي للوصول إلى إدارة متكاملة للنفايات الصلبة.

 

وفي هذا الإطار، تقول الخبيرة البيئية في البنك الدولي في مقابلة مع "مهارات نيوز" لميا منصور إنّ خارطة الطريق هي مشروع قصير المدى للإضاءة على الحاجات الأساسية والأولويات التي سيتم تنفيذها قبل أن ينهار قطاع النفايات كليّا في لبنان، أي أنّ المشروع هو إنقاذي للقطاع في لبنان.

 


 

ركائز المشروع: مرهونة بحسن التطبيق

تقوم خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة على ثلاث ركائز أساسية وهي حوكمة القطاع، تعزيز فرز وتحويل النفايات والاستثمارات الأساسية في منظومات النفايات، بالإضافة إلى أنّها تقدّم لمحة شاملة عن التحديات التي تواجه قطاع النفايات الصلبة. 

 

1- حوكمة القطاع

على صعيد حوكمة القطاع، يحتاج قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة رقم 80/2018 للتطوير عبر إقرار مراسيم ومقررات ذات أولوية بهدف تعزيز قدرات وزارة البيئة والبلديات في عملية اللامركزية لبناء نهج متكامل لإدارة النفايات الصلبة.

 

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، تشير خارطة الطريق إلى استحداث هيئة وطنية لإدارة النفايات الصلبة لتطبيق نظام الإدارة المتكاملة للقطاع، وتطوير نظام معلومات وطني يكون مخزنا للبيانات الدقيقة عن كميات النفايات التي تم جمعها وإعادة تدويرها ومعالجتها، بالإضافة إلى تحديد المناطق الخدماتية للنفايات الصلبة وإعداد خطط محلية لها.

 

في السياق نفسه، يشير ياسين إلى أنّ القطاع لا يزال مشتّت بين المعنيين في الملف، لذلك من المهم إنشاء الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة لتكون سلطة الوصاية على القطاع وتنهي هذا التشتت، وأيضا الانتقال إلى اللامركزية في هذا القطاع.

 

وعن التحدي المتعلّق بعدم القدرة على تشكيل الهيئة في ظل الشغور الرئاسي، يشير ياسين أنّه يتمّ البحث اليوم عن صيغة معيّنة لتشكيل لجنة تعاون الوزارة وتكون بديلة عن الهيئة في الوقت الحاضر، فالهدف هو مأسسة العمل إلى حين تشكيل أرضية لتشكيل الهيئة".

 

2- أولويات تعزيز الفرز وتحويل النفايات

يعتبر فرز وتحويل النفايات من الركائز الأساسية للإدارة المتكاملة لقطاع النفايات الصلبة في لبنان، ونتيجة للازمات في لبنان ، تغيّرت عادات وتوجهات المواطنين في الاستهلاك ما أدى إلى تغيير كبير في تركيبة النفايات كما يشير الجدول أدناه، الأمر الذي يستدعي تغيير في مناهج إدارة النفايات المنزلية الصلبة بحسب ما أشارت إليه خارطة الطريق لإدارة النفايات الصلبة.
 

فئة النفايات 

النسبة في العام 2017

النسبة في العام 2021

عضوية

50-55

69-72

ورق/كرتون

15-17

4-5

بلاستيك 

10-13

11-14

معادن

5-6

2

زجاج

3-4

3-4

مواد أخرى

10-12

3-11


 

لذلك، تشير خارطة الطريق إلى ضرورة زيادة عمليات الفرز من المصدر باستحداث أنظمة تجميع باستخدام مستوعبين لجمع النفايات بعد فصلها وتشجيع خطط تجميع النفايات من كل وحدة من الوحدات السكنية ومن المباني، و فصل النفايات التجارية وتوقيع عقود خاصة لإدارتها نظرا إلى أن حجم النفايات التجارية أكبر بكثير من النفايات التي تصدر من المنازل، بالإضافة إلى مضاعفة عدد مراكز جمع وفرز النفايات بالتعاون مع المنظمات الغير حكومية والقطاع الخاص.

 

ويتم العمل اليوم على تعزيز الفرز من المصدر وبناء أسس حقيقية للإقتصاد الدائري، وهذا الأمر يتم العمل عليه بالتعاون مع العديد من الهيئات والشركات الناشئة التي أظهرت الكثير من الابتكار، بالإضافة إلى العمل على تأسيس  مراكز تسليم لمفروزات النفايات في كل المناطق، الأمر الذي يشجّع المواطنين على تسليم مفرزاتها، بحسب ياسين.

 

3- الأولويات في الاستثمارات والتشغيل

بحسب الدراسة، أشارت التقديرات إلى أن نسب إنتاج النفايات الصلبة في العام 2022 بلغت حوالي 5600 طن يوميا بانخفاض عن العام 2018 حيث بلغت النسبة حوالي 7300 طن يوميا. 

 

وعلى الرغم من هذا الانخفاض في مستوى النفايات إلا أنّ الجزء الأكبر من البنى التحتية لمعالجة النفايات قد توقفت، وتتم حاليا معالجة 8% فقط من النفايات المنتجة في مطامر صحية او في مكبات عشوائية مقارنة بحوالي 77% في العام 2018.

 

في هذا الإطار تقول منصور، إنّ السبب وراء توقّف المعامل هو عدم وجود موارد لتشغيلها بسبب ارتفاع أسعار التشغيل، بالإضافة إلى ضرورة البحث عن الموارد المالية لتشغيلها وضمان استمراريتها.

 

لذا، أشارت خارطة الطريق لإدارة النفايات الصلبة إلى ضرورة تحسين جمع ونقل النفايات عبر تقييم احتياجات البلديات لجمع النفايات وتوفير خيارات واضحة لإنشاء أنظمة جمع محسّنة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية اللازمة لمعالجة النفايات عبر استثمارات تصل إلى 113 مليون دولار على مستوى مناطق الخدمة الـ15.

 


 

تحديات مالية تواجه خارطة طريق إدارة قطاع النفايات الصلبة

لا شكّ أن الشقّ المالي والاستدامة المالية تشكّل أحد أبرز التحديات في إطار إصلاح قطاع النفايات الصلبة في لبنان، خصوصا مع الانهيار المالي الذي يعاني منه البلد على كل المستويات.

 

وتشير الخبيرة البيئية في البنك الدولي لميا منصور أن الوضع المؤسساتي لوزارة البيئة والبلديات هو من أبرز التحديات، فهي لا تملك الموارد المالية والتقنية الكافية لإدارة هذا القطاع، وهذا الأمر تراكمي بسبب سوء التخطيط وسوء التنظيم بالإضافة إلى ذلك الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان.

 

في هذا الإطار يؤكّد وزير البيئة ناصر ياسين أنّ "الاستدامة المالية هي مدماك أساسي لإنجاح الخطة، لذلك نحن بحاجة لصرف جزء من الأموال لتحسين المنشآت والبنة التحتية، ومن أصل حوالي 120 مليون دولار تم تأمين حوالي 40% من المبلغ.

 

وأضاف ياسين: "هناك مصاريف تشغيلية إضافية، ولتأمين استمرارية هذه المصاريف يجب إدارتها بشكل جيّد عبر رسوم مباشرة تجبيها البلديات من المواطنين بما يسمّى "استرداد الكلفة"، وهذه الرسوم ليست عالية بل هي حوالي 2$ للأرياف و 3$ للمدن".

 

وكانت الوزارة قد أعدّت مشروع قانون يسمح للبلديات بتحصيل رسوم عن الخدمات من المنازل والمؤسسات التجارية لتغطية خدمة الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة.

 

 

وعن آليات رقابة الأموال التي ستصرف في المشاريع، الأمر الذي يشكّل تحدّ آخر أمام نجاح المشاريع، يقول ياسين إنّ تشكيل الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة يساهم في تعزيز الشفافية وترشيد الإدارة، بالإضافة إلى العمل مع البنك الدولي على وضع نظام معلومات إلكتروني يجمع معلومات على مستوى كل لبنان الأمر الذي يعزّز القدرة على ممارسة الرقابة.

 

من جهتها، تشير الخبيرة البيئية في البنك الدولي لميا منصور إلى ضرورة عرض كل التكاليف والمصاريف بشكل شفاف بالإضافة إلى نظام المعلومات الذي يتم العمل عليه اليوم بالتعاون مع البنك الدولي.

 

بالإضافة إلى التحديات المالية، تعتبر منصور أنّ غياب حملات التوعية المتعلّقة بالفرز من المصدر وبإعادة الاستعمال وإعادة التدوير شكّلت تحديا أساسية وكان من الضروري وجود هكذا حملات توعوية تعزّز مشاركة المواطنين في تجنّب الأزمة.

 

 

عيّنة تنفيذيّة من خارطة الطريق

يرتكز مشروع الحد من تلوث مياه البحر المتوسط "رمال" على تعزيز الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في المدن الساحلية.

 

 وسيتمّ تنفيذ المشروع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat ووزارة البيئة في لبنان والمموّل من قبل وزارة البيئة في ألمانيا.

 

وسيمتدّ المشروع على 3 سنوات وسيتم إطلاق حملة توعية على الصعيد الوطني بشأن الإدارة المستدامة للنفايات والحد من النفايات البحرية. كما ستفيد نتائج الدراسات التي ستقام خلال مراحل التقييم في صياغة توصيات حول السياسات الوطنية بشأن إدارة النفايات البحرية بهدف تحسين وبناء قدرات الأطر الوطنية والجهات الفاعلة المعنية.

 

في هذا الإطار، تقول رئيسة برنامج الدولة اللبنانية في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية(UN-habitat) تاينا كريستنسن في مقابلة مع "مهارات نيوز": "بدعم من دولة ألمانيا وبالتعاون مع معهد بوفيتال والشركاء الآخرين، وبالطبع بالتنسيق والتعاون الوثيق مع وزارة البيئة، تم إطلاق مشروع "رمال".

 

وأشارت كريستنسن لضرورة إيجاد طرق ملموسة للتعامل مع إدارة النفايات الصلبة ووضع أسس لسياسات مستدامة والبناء على ما تمّ فعله سابقا وتصحيح الأخطاء بالتعاون مع المجتمعات المحلية والتنسيق مع البلديات واتحادات البلديات والعمل مع وزارة البيئة على المستوى الوطني. 

 

 

أما في ما يخصّ التحديات، تشير كريستينسن إلى "أنها كثيرة وبعضها ليس معروفا حتى اليوم، ولكن ومن خلال التشاور والعمل مع جميع الجهات المعنيّة، وكذلك الشركات والمصانع والنقابات، نأمل أن يتم تجاوز بعض هذه التحديات".

 

أما عن تحدي الاستدامة المالية للمشروع، تقول كريستنسن: "الوضع الاقتصادي الصعب في لبنان، فرض قيودا على الوزارات لناحية مواردها البشرية وقدرتها على دفع الرواتب ودفع تكاليف الصيانة مما يمكن أن يضعف الاستدامة المالية وحتى القدرة على التشغيل، لذلك وضع المشروع طرق لضمان الاستدامة بدون الحاجة إلى استمرار التدفق المالي من جانبنا، ونأمل أن تتمكن هذه الإجراءات من مواجهة التحديات المالية في السنوات المقبلة".

 

 

وفي ظلّ الفساد الإداري وهدر المال العام الذي يعاني منه لبنان منذ عشرات السنوات، كان لا بد من السؤال عن آليات الرقابة التي سيمارسها القيّمون على المشروع، إذ أكّدت كريستنسن أنّ برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تابع لمنظمة الأمم المتحدة، ويملك قواعد وإجراءات صارمة في تنفيذ مشاريعه لناحية توزيع الأموال وكيفية صرفها، بالإضافة إلى إجراءات صارمة للتأكد من ألا يتم هدر الأموال، عبر تقارير مالية منتظمة ونظام تتبّع للتأكد من النتائج الفعلية الملموسة ".

 

 

يذكر أن قطاع النفايات المنزلية الصلبة في لبنان يعاني من نقص على مستوى الشفافية والفعالية والاستدامة المالية، الأمر الذي أدّى في العديد من المراحل إلى تكدّس النفايات في الشوارع اللبنانية وكل ما ينتج عن ذلك من أزمات بيئيّة واقتصادية من خلال التكلفة العالية للقطاع من دون وجود أي حلول مستدامة على الصعيد المالي والبيئي.

 

وفي العام 2018، أي قبل الأزمة المالية التي ضربت البلد، قدّرت التكلفة الإجمالية لقطاع النفايات الصلبة بنحو 180 مليون دولار سنويا ما بين استثمارات ونفقات تشغيل، من دون احتساب تكلفة الجمع التي تغطيها البلديات.

 

وقد قدّرت تكلفة التدهور البيئي الناتج عن قطاع النفايات الصلبة بحوالي 200 مليون دولار في عام 2018.

 

TAG : ,النفايات الصلبة ,خارطة طريق إدارة النفايات الصلبة ,وزارة البيئة ,منظمة الأمم المتحدة ,برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ,خارطة طريق إدارة قطاع النفايات الصلبة