Loading...

تصاعد التحريض ضدّ النازحين: خطاب يتجاوز الرأي ويهدّد السلم المجتمعي

 

خلال فترة الحرب، تحوّل جزء من الخطاب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى خطاب تحريضي استهدف استضافة النازحين، وقاد هذا الخطاب عدد من الصحافيين والمؤثرين. فقد صرح أحد الصحافيين قائلاً: "هني مش معترفين بالدولة فليش بدا الدولة تفتحلن مدارسها"، فيما أشار آخر إلى أن "الضاحية ستصبح ملعب كرة قدم وستعود لاحقًا إلى سكانها الأصليين السنة والمسيحيين والدروز".

 

هذا النوع من الخطاب لا يقتصر على التعبير عن رأي سياسي، بل قد يساهم في تأجيج الانقسام المجتمعي وتعميق الوصم والتمييز ضدّ النازحين، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب حيث تكون المجتمعات أكثر هشاشة وقابلة للتأثر بالشائعات والتحريض. ومع انتشار هذه الرسائل بسرعة عبر المنصات الرقمية، تتحول الكلمات إلى أدوات ضغط اجتماعي أو مبررات لإقصاء فئات كاملة من المجتمع.

 

وقد انعكست هذه التصريحات على بعض البلديات اللبنانية، التي فرضت إجراءات احترازية جديدة تجاه النازحين القادمين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. حيث طالبت هذه البلديات السكان بإبلاغها مسبقاً قبل تأجير المنازل أو استقبال أي نازحين، وتزويدها بمعلومات عن هوياتهم وعددهم وأماكن إقامتهم. وبرّرت بلديات عدة، منها بكفيا، الفنار، زوق مصبح، جعيتا، والبرامية، هذه الخطوات بدواعٍ أمنية وبهدف تنظيم وجود النازحين والحفاظ على سلامة البلدات، محذّرة من المساءلة في حال عدم الالتزام.

 

وذهبت بعض البلديات أبعد من ذلك، إذ أصدرت سلسلة إجراءات بحق المخالفين، تشمل تحرير "محاضر ضبط أصولية وفرض غرامات مالية وفق القوانين والأنظمة النافذة، واتخاذ إجراءات إدارية وقانونية فورية تصل إلى حدّ إقفال المأجور بالشمع الأحمر عند الاقتضاء"، كما جاء في تعميم بلدية الدكوانة.

 

وفي سياق فرض الغرامات، تداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي صورة لمحضر مخالفة بقيمة 100 مليون ليرة لبنانية صدر عن شرطة بلدية مجدل عنجر الأربعاء الماضي، بحق أحد السكان لعدم الالتزام بقرارات البلدية المتعلقة بالإبلاغ عن وجود نازحين لديه. ولم يوضح المحضر السند القانوني لفرض هذه الغرامة، بينما أشار إلى أن المخالف امتنع عن الإمضاء.

 

دور الصحافيين في مواجهة خطاب الكراهية

وفي ظلّ تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضدّ النازحين، يبرز الدور الحيوي للصحافيين في التعامل بحذر ومسؤولية مع هذا النوع من الخطاب. إذ لا يقتصر الأمر على نقل التصريحات، بل يشمل أيضاً تقييمها ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي والقانوني لتجنب تأجيج الانقسام والتمييز.

 

وتشير المعايير التي وضعتها خطة الرباط لمكافحة خطاب الكراهية إلى عناصر أساسية يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم أي خطاب، منها: السياق، وهوية المتحدث، النية، محتوى الخطاب، مدى انتشاره، واحتمال أن يؤدي إلى ضرر فعلي على فئات المجتمع، مثلما حدث مع النازحين في لبنان.

 

يمكن للصحافيين اتباع عدد من الممارسات المهنية عند تغطية قضايا النزوح في أوقات الأزمات:

- تجنّب التعميم والوصم الجماعي عند الحديث عن النازحين، والتركيز على الوقائع بدلاً من الصور النمطية.

- وضع التصريحات التحريضية في سياق نقدي بدلاً من نقلها كحقائق أو عناوين مثيرة.

- التحقق الدقيق من المعلومات قبل نشرها لتفادي تضخيم الشائعات التي قد تزيد التوتر بين المجتمعات المضيفة والنازحين.

- إعطاء مساحة لأصوات النازحين أنفسهم لعرض تجاربهم الإنسانية بعيداً عن الاختزال أو التسييس.

- استخدام لغة دقيقة ومحايدة تحترم الكرامة الإنسانية ولا تساهم في تأجيج الكراهية أو التمييز.
 

بهذه الطريقة، لا يقتصر دور الصحافي على نقل الأخبار، بل يمتد إلى حماية المجتمع من آثار خطاب الكراهية وضمان تغطية إعلامية مسؤولة تعكس الواقع بطريقة عادلة وموضوعية، بما يتماشى مع القانون اللبناني الذي يجرّم التحريض على الكراهية والنزاعات الطائفية.