في ظل الحرب في لبنان، يعيش ملايين النازحين واقعًا جديدًا قلب حياتهم رأسًا على عقب. وسط هذه المعاناة، تتشابك قصص الخسارة مع أخرى مليئة بالصمود والإصرار. من بين هذه القصص، تبرز جهود الناشطة الاجتماعية والسياسية خلود قاسم، التي تركت خبرتها الميدانية مع العائلات النازحة أثرًا ملموسًا على المجتمعات، وساهمت في تشكيل مسارها الشخصي نحو التغيير الاجتماعي والسياسي.
تجربة إنسانية ميدانية
تروي السيدة قاسم في حديثها لمهارات نيوز: "أخبرتني أم نازحة فقدت كل شيء، بيتها واستقرارها وحياتها وذكرياتها: 'أهم شيء أنك جعلتني أشعر أنني لست وحدي'". وتؤكد أن هذه الكلمات بقيت محفورة في ذاكرتها، لأنها تعكس جوهر العمل الإنساني الذي يتجاوز تقديم المساعدات المادية.
من خلال جمعيتها غير الحكومية "أمهات من لبنان"، التي أسستها عام 2008، عملت قاسم على بناء شبكة دعم تربط بين الأمومة والمشاركة الوطنية. وما بدأ كمبادرة اجتماعية بسيطة، مثل تنظيم وجبات جماعية خلال الأعياد وتقديم المساعدات الميدانية، تطور تدريجيًا إلى نموذج مستدام لدعم المجتمعات الأكثر ضعفًا.
ومع تصاعد العنف، اضطرت الجمعية إلى التكيف بسرعة مع الاحتياجات المتغيرة على الأرض. تقول قاسم: "ركزنا على تأمين الاحتياجات الأساسية، وقدمنا الدعم النفسي للأطفال والأمهات اللواتي يعانين من صدمة النزوح. قد لا تكون مبادرتنا كبيرة من حيث الأعداد، لكنها بالتأكيد عميقة في تأثيرها".
في سياق الصراعات، تتحمل الأمهات عبئًا مزدوجًا بين رعاية أطفالهن وتأمين متطلبات حياتهن الأساسية. وغالبًا ما يصعب عليهن الحصول على ضروريات مثل المستلزمات الصحية والمواد الأساسية للنظافة، ما يعرض صحتهن وكرامتهن للخطر.
تطبيق قرار مجلس الأمن 1325
تتوافق هذه المعاناة مع ما ينص عليه قرار مجلس الأمن 1325 الذي يركز على مشاركة النساء في منع النزاعات، وإدارة الأزمات، وإعادة الإعمار، وضمان حمايتهن من العنف أثناء النزاعات المسلحة. كما يشجع على دمج النساء في عمليات السلام واتخاذ القرار لضمان تحقيق الاستقرار المستدام. إلا أن تطبيقه لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
تضيف قاسم: "للأسف، هناك فجوة كبيرة بين ما ينص عليه القرار وما ينفذ على أرض الواقع في لبنان. وعلى الرغم من أهمية هذا القرار، تحد غياب الإرادة السياسية والثقافة الذكورية السائدة من دوره". وتضيف أنّ"تعزيز مشاركة النساء لا يقتصر على القوانين، بل يجب تغيير العقليات، ودعم النساء بالمعرفة، وبناء شبكات قوة قوية لهن".
وقد دفعتها تجربتها الميدانية أيضًا إلى المشاركة في السياسة، حيث خاضت الانتخابات النيابية في 2018 و2022، لتكون صوتًا للنساء والفئات الضعيفة داخل مراكز القرار.
توضح قاسم: "ترشحي لم يكن طموحًا شخصيًا، بل نتيجة طبيعية للعمل اليومي مع الناس. عندما رأيت المعاناة عن قرب، أدركت أن العمل الإنساني وحده لا يكفي، وأن التغيير يجب أن يحدث أيضًا من داخل مراكز القرار".
وتسترسل: "نؤمن أنه إذا وصلنا إلى هذه المناصب، سيكون لدينا القدرة على إحداث تغيير حقيقي، وقد شجعني الناس أنفسهم على اتخاذ هذه الخطوة لخدمتهم بشكل أفضل".
بناء مؤسساتي طويل الأمد
تعكس رؤية خلود قاسم تحولًا من الاستجابة الطارئة إلى البناء المؤسساتي الطويل الأمد، إذ تقول: "أطمح إلى أن تتطور هذه المبادرات الفردية في لبنان إلى نظام مؤسساتي قادر على تحقيق تأثير حقيقي ومستدام. فالتغيير الحقيقي لا يأتي فقط من الخارج، بل ينبع من الداخل".
وفي بلد لا تزال فيه النساء ممثلات تمثيلًا ضئيلًا في الحياة السياسية، تُظهر رحلة قاسم التحديات والفرص على حد سواء. ويعكس عملها روح قرار 1325، في حماية النساء أثناء النزاعات وتمكينهن كقائدات وصانعات قرار في عمليات التعافي والسلام.
وتختم قاسم رسالتها للنساء بالتأكيد على دورهن الفاعل: "رسالتي للنساء، لا تكتفين بأن تكن جزءًا من المشهد، بل كُن من يشكّله. المستقبل لن يُمنح لنا ببساطة، بل علينا أن نحققه بكفاءتنا وإصرارنا".
TAG : ,أمهات من لبنان ,مبادرة ,نازحين ,مساعدة ,خلود قاسم ,لبنان ,حرب ,إيواء ,أمهات ,نازحات