Loading...

ليبان بوست... جدل متواصل حول الأرباح وإيرادات الدولة

 

تواصل شركة "ليبان بوست​" إدارةالقطاع البريدي فيلبنان​، كأحد أبرز الملفات المثيرة للجدل منذ العام 2001، كما يتواصل الإعتراض على إيرادات الدولة اللبنانية من "ليبان بوست" والتي تعتبر ضئيلة مقارنة بما تقدمه من خدمات وما تحققه من أرباح، وقد سجلت لجنة الإعلام الإتصالات النيابية إعتراضا في جلسة عقدتها في 5 شباط 2026 على عدم تضمين الموازنة التي رفعتها الحكومة الىمجلس النوابواردات لشركة "ليبان بوست"، وذكرت في بيان رسمي، بانه "في موازنة 2026 لوزارة الإتصالات، لا ترصد اي إيرادات من البريد ما يعني عملياً ترك قطاع سيادي، مربح خارج الإصلاح والرقابة، وفي الوقت نفسه توسعة مروحة الخدمات غير البريدية لصالح الشركة الخاصة".

 

وقد إستغرب مقرر لجنة الاتصالات النيابية النائبياسين ياسينفي حديث الى "النشرة"، "عدم وجود إيرادات في البريد ما يثير علامات استفهام، لا سيما وأن القطاع هو مرفق عام ويجب ان يكون هناك ايرادات، حيث يبلغ إجمالي اعتمادات البريد نحو 44.70 مليار ل.ل من دون تسجيل أي إيراد في موازنة الوزارة من هذا القطاع".

بالمقابل، أكدت وزارة الإتصالات ردا على سؤال لـ"النشرة"، إنّ "العوائد الناتجة عنالخدمات البريديةمثبتة ومدرجة ضمن الموازنة، ومن المستغرب استمرار تداول شائعات تدّعي خلاف ذلك، من مطلقيها او ممن يتناقلونها من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء مراجعة الموازنة والتحقق من الوقائع".

 

وتوضيحا للجدل القائم، ذكرت ​وزارة المالية​ ردا على سؤال لـ"النشرة"، أنوزارة الاتصالاتلم تقدم أرقام إيرادات "ليبان بوست" خلال تقديم الموازنة ودرسها في الحكومة واللجان النيابية، إلا أنه وخلال مناقشة الموازنة في مجلس النواب، رفع وزير الاتصالاتشارل الحاجكتابا بإيرادات "ليبان بوست"، وتم إقرارها مباشرة خلال جلسة الهيئة العامة لمجلس النواب مع الموازنة العامة، ولم يتم البحث فيالإيراداتقبل ذلك في اللجان النيابية المختصة قبل إقرارها.

 

التمديد متواصل

مُدّد لشركة "ليبان بوست" سبع مرات متتالية بقرارات وزارية حتى العام 2023، حيث أصدر حينها مجلس الوزراء في جلسة 16/11/23 القرار بتمديد العقد لشركة ليبان بوست للمرة الثامنة على سبيل التسوية اعتباراً من أول حزيران 2023 لغاية إستلام المشغل الجديد، بعد رفض مجلس الوزراء لما خلصت إليه وزارة الإتصالات لدى المزايدة على تشغيل القطاع البريدي في لبنان، وتكليف وزارة الاتصالات بتعديل جداول أسعار الخدمات البريدية المقدّمة عبر الشركة، بعد أن كان يفترض أن ينتهي العقد في أيار 2023 من خلال إنجاز عملية تلزيم جديدة للقطاع.

 

وفي 5 شباط 2026، ناقشت لجنة الإتصالات في جلسة عقدتها بحضور وزير الاتصالات شارل الحاج أبرز المستجدات والتطورات في قطاع الإتصالات، وأعلن بيان صادر عن اللجنة بأن "وزارة الإتصالات لم تطلق بعد أي مزايدة شفافة لقطاع البريد، ولا يوجد دفتر شروط نهائي ولا إطار تنافسي، رغم أن هذا القطاع، يعد عالمياً من القطاعات المربحة ويشمل الخدمات اللوجستية والتوصيل، والتجارة الإلكترونية، والخدمات المالية والدفع".

 

وفي السياق، اعتبر مقرر لجنة الاتصالات النائب ياسين ياسين بأن "استمرار القطاع بهذه الطريقة من دون إطلاق مناقصة يشكل خلل في الحوكمة لا سيما وأن العقد الأساسي للشركة انتهى منذ سنوات، وكان على الوزارة إقرار دفتر الشروط حتى تراعي التطورات الكبيرة التي تحدث في القطاعات البريدية واللوجستية والخدماتية، كما يجب أن تتحسن حصة الدولة في الإيرادات، وأن يكون هناك معايير جديدة في القوانين لناحية الشفافية والرقابة.

 

واعتبر ياسين أن "التأخير يطرح تساؤلات حول ادارة هذا المرفق، وان أي مرفق عام يجب أن يدار عبر قوانين حديثة ومنافسة وشفافة".

وبالمقابل وردا على سؤال حول دفتر الشروط الجديد لإطلاق مناقصة لتلزيم البريد، أشارت وزارة الاتصالات إلى إنّ "إعداد دفتر الشروط لإطلاق المزايدة الجديدة قيد الاستكمال وفق الأصول وبالتنسيق مع الجهات المختصة وتنفيذًا لقرارات مجلس الوزراء".

 

وحول استمرار عمل "ليبان بوست"، فأوضحت وزارة الإتصالات بأنه "يأتي بناء لقرارات مجلس الوزراء من أجل ضمان استمرارية المرفق العام وعدم انقطاع الخدمة، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية وإطلاق المزايدة وفق قواعد الشفافية والتنافس".

 

إيرادات "ليبان بوست"

وفي ظل الأزمة التي تعاني منها الدولة والبحث عن موارد إضافية، تبدو الفرصة متاحة اليوم لاستعادة هذا القطاع بالزخم الذي يتمتع به عالمياً، كأحد القطاعات القليلة المربحة المتبقية للخزينة العامة. وبحسب تقرير ل​ديوان المحاسبةصدر بتاريخ 8/6/2021، فإن عائدات الخزينة من إدارة الدولة للقطاع سنة 1997 تفوق ما حصّلته من "ليبان بوست" على مدى 22 عاماً بين عام 1999 لغاية 2019، وبحسب التقرير حصلت الدولة على إيرادات من شركة "ليبان بوست" بقيمة 1.5 مليار ليرة، خلال 20 عاماً، مقارنة مع 7.8 مليار ليرة، أو ما يعادل 5.5 مليون دولار، إيرادات للخزينة عام 1997 وحده، حين كانت الدولة تدير هذا القطاع، ما يعني أن تلزيم القطاع لم يرفد الخزينة بالعائدات المرجوة في حين تبحث الدولة عن مصادر دخل جديدة، وتعمل على فرض ضرائب غير عادلة على البنزين والـ TVA، حيث تطال كافة شرائح المجتمع اللبناني لا سيما الفقيرة منها.

 

وفي سياق الجدل حول مداخيل الشركة، أشار رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني في حديث الى "النشرة"، إلى أن "هناك مخالصة لم تحصل من العام 1998 وحتى العام 2001، إذ لم تدفع ليبان بوست في هذه الأعوام، أي مبلغ للدولة اللبنانية لقاء إلتزامها خدمات البريد، علماً انه كان يجب عليها أن تدفع 5% من مجمل أرباحها، إضافة إلى أن على الدولة اللبنانية تحمّل النفقات التشغيلية للموظفين والقرطاسية وغيرها".

 

بدوره، أشار النائب ياسين إلى إن إيرادات البريد تثير علامات استفهام، وفي حين يفترض أن يكون البريد، كما هو الحال في الدول المتقدمة، مرفقا عاما تبنى عليه خدمات أساسية، ما يزال قطاع البريد في لبنان مدارا بالتلزيم نفسه منذ أكثر من ربع قرن دون مسار إصلاحي يرفع مردود الدولة أو يحدث الخدمة العامة، فيما تظهر تقارير ديوان المحاسبة أن حصة الخزينة محدودة جدا قياسا بالإمكانات. وعليه نطالب بكشف رسمي وشفاف يبين:

 

-أين تسجل إيرادات البريد/حصة الدولة في الموازنة.

-الأساس القانوني لتحمل الخزينة أي نفقات تشغيلية (كالإيجارات والاشتراكات) في قطاع يتولاه متعهد خاص.

-جدولا زمنيا واضحا لإصلاح القطاع بما يقود إلى مؤسسة عامة للبريد أو تلزيم جديد شفاف يحقق المصلحة العامة ويرفع إيرادات الدولة.

 

وتوضيحاً للجدل الحاصل حول إيرادات "ليبان بوست"، ذكرت وزارة المالية، رداً على سؤال، بأن إيرادات البريد للعام 2025 هي 179.000 ملايين الليرات لبنانية (حوالي 2 مليون دولار سنويا)، والمتوقع للعام 2026 هو 185.265 ملايين الليرات اللبنانية.

 

السوق التنافسية بدل المناقصات

تعتبر قضية إيرادات ليبان بوست محل نقاش واسع في لبنان، حيث يرى مراقبون أن العقود الموقعة لم تكن لصالح الخزينة العامة، مما أدى إلى خسارة الدولة لمبالغ طائلة. وفي 29/04/2025، وفي إطار متابعتها للملف، أصدرت الغرفة المعنية في ديوان المحاسبة، برئاسة القاضي عبد الرضا ناصر وعضوية القاضيين جوزيف الكسرواني ومحمد الحاج، مذكّرة موجّهة إلى وزارة الاتصالات تسأل فيها عمّا إذا كانت قد قامت بتعديل جداول أسعار الخدمات البريدية وتحسين حصّة الدولة لدى شركة "ليبان بوست"، بعدما صارت هذه الحصّة شبه معدومة.

 

للخروج من الأزمة يجب الإنتقال إلى نظام إقتصادي جديد يسمح بالنمو عن طريق تفكيك الإحتكارات وتشجيع المنافسة، بحسب رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور مارديني، فتعدد الشركات التي تقدم الخدمة نفسها، يسمح بتحسين الجودة وخفض الأسعار، ولفت الى أنه قبل تلزيم ليبان بوست كانت ايرادات البريد 8 مليار ليرة عند دولار 1500 ليرة لبنانية بحسب تقرير ديوان المحاسبة، واليوم هناك الكثير من الخدمات الاضافية التي تقدمها "ليبان بوست"، والشركة لديها احتكار في تقديم خدمة البريد في لبنان ولا تقدم إيرادات كافية.

 

ورأى مارديني بأن الحل ليس بتلزيم شركة جديدة، بل في تغيير نمط التعاطي مع القطاع وفتحه على المنافسة، متسائلا: "لماذا نريد تلزيم البريد لشركة واحدة إن كانت "ليبان بوست" او غيرها من الشركات، مع التأكيد على ان المناقصات السابقة لم تكن شفافة وسجل فيها مخالفات قانونية، كما ان التمديدات التي حصلت لشركة "ليبان بوست" لم تكن شرعية".

 

"هذه ليست الطريقة المناسبة لإدارة القطاع"، بحسب مارديني، والأفضل أن تعطي الدولة ترخيصاً لمن يرغب بإستثمار في هذا القطاع وتفتحه على المنافسة، وبعدها الدولة لن تقاسم الأرباح والمداخيل للشركات التي تدخل السوق، بل تأخذ ضرائب من الشركات بطريقة اسهل وابسط، وحينها يصبح هناك منافسة في السوق من خلال الخدمات والأسعار وهذه المنافسة تخدم الشعب اللبناني وتحسن خدمة البريد من خلال خدمات جديدة وأسعار تنافسية، وهذا ما يحسن قطاع الاتصالات ويعيده إلى الريادة.

 

اليوم، وبعيدا عن الجدل الدائر، المطلوب وبشكل عاجل وضع خريطة طريق واضحة وجدول زمني محدد يتضمن المراجع والخطوات اللازمة لإدارة القطاع البريدي في لبنان، التي طال انتظارها منذ العام 2021 وحتى اليوم، حيث يتم رفع أرباح الدولة وإيراداتها من القطاع، لأن قطاع البريد يجيب أن يكون من القطاعات الأساسية التي ترفد خزينة الدولة بإيرادات مرتفعة نظراً إلى الخدمات التي تقدمها والأرباح التي تحققها.

 

يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافيّة تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات. وقد تم نشره بالتزامن مع موقع elnashra.