Loading...

بعد الضرائب الأخيرة، هل يكون تعديل سعر الصرف حلاً لدعم القدرة الشرائية للمواطنين؟

 

يشهد لبنان جدلاً واسعًا منذ أيام حول قرار الحكومة الصادر الأسبوع الماضي ويقضي بزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وزيادة 1% على ضريبة الدخل TVA لترتفع من 11% إلى 12%، في خطوة تهدف إلى تأمين إيرادات لتمويل زيادات رواتب موظفي القطاع العام والعسكريين بعد سنوات من تآكل القدرة الشرائية نتيجة الانهيار المالي.

 

خطوة الحكومة هذه ستعني حكمًا ارتفاعًا مباشرًا في كلفة وأسعار السلع والخدمات. (الأمر الذي لوحظ مباشرة في المحلات والمتاجر منذ اليوم التالي) وستؤدي أي ضرائب إضافية في ظل هذه الأزمة إلى موجة تضخم جديدة تعمّق الضغوط المعيشية. يرى معارضون ونقابات أنه لا يمكن الاستمرار بتحميل المواطنين ضريبة تأمين موارد للدولة بينما يجب تطبيق الإصلاحات البنيوية وتشمل مكافحة التهرب الضريبي وتحسين الجباية بدلاً من زيادة الضرائب غير المباشرة التي تصيب الفئات ذات الدخل المحدود بشكل أكبر.

 

تدافع الحكومة عن القرار باعتباره إجراءً ضروريًا لتأمين موارد سريعة للخزينة، حيث اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام في تصريح وجهه إلى المواطنين أن الزيادة ستكلف الخزينة اللبنانية نحو 800 مليون دولار سنويًا، وكان من الواجب تأمين مصادر تمويلها حتى لا نقع في مشكلة شبيهة بمشكلة سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، وردًا على الانتقادات يقول: " طُرح من قبل البعض أنّه كان ممكنًا تأمين التمويل من خلال مكافحة التهرّب الضريبي، والتهرّب الجمركي، والأملاك البحرية، والكسارات، أو من خلال ترشيد القطاع العام. لكن بصراحة، هذه الأفكار ليست جديدة علينا، ونحن نعمل عليها جميعًا منذ فترة، غير أنّها لا تؤمّن مبلغ 800 مليون دولار الإضافية فورًا.

 

وفي سياق الحديث عن البدائل التي كان يمكن اللجوء إليها والتي تناولتها مهارات في تقرير مفصّل، وأهمية دعم المواطن لمواجهة هذه الأعباء، يبرز ما اقترحه النائب فريد البستاني في تصريح بعد اجتماع لجنة الاقتصاد وهو العمل على تحسين وضع الليرة اللبنانية. حيث وانطلاقًا من وضع احتياطي الذهب في مصرف لبنان يمكن خفض سعر الصرف إلى حدود 60 ألف ليرة، ما يساهم في تحسين القدرة الشرائية للمواطن بنسبة تقارب 30%".فما هي إمكانية تطبيق هذا الطرح، وهل سيساهم أيّ تحسين لسعر الصرف في دعم قدرة المواطن الشرائية وجعله يتجنب أي تضخم قد ينتج عن زيادة الضرائب الأخيرة؟


 

الحل برؤية اقتصادية شاملة

قبل النظر في موضوع أي تعديل لسعر الصرف من 89500 ليرة للدولار إلى 60000 يجب أن نبدأ من فهم خلفية استقرار سعر الصرف وفق ما يشرح الخبير الاقتصادي نسيب غبريل، ففي آب أو أيلول 2019 ظهر لأول مرة من 25 سنة سوق موازي لسعر صرف الدولار بسبب تراجع تدفقات رؤوس الأموال الى لبنان ومن ذلك الوقت بدأ سعر الصرف يتدهور، وتدهور بشكل أسرع منذ قرار تعذر الحكومة في آذار 2020 عن تسديد سندات اليوروبوندز حتى وصل في فترة من الفترات لما يقارب الـ 141 ألف ليرة مقابل الدولار.

 

قرر وقتها مصرف لبنان التدخل بشكل مباشر وسحب ابتداءً من آذار 2023  كتلة كبيرة من الليرة اللبنانية من السوق وضخ دولارات وأخذ قرار بوقف تمويل وتغطية نفقات الحكومة ما أدى إلى تحسن تدريجي لسعر الصرف ليصل ال 89500 منذ تموز 2023 وبقي مستقر على هذا المستوى ولم يتغير رغم الحرب الاسرائيلية الأخيرة.

 

إذًا هذه كانت السياسة النقدية لمصرف لبنان وهي الحفاظ المؤقت على سعر الصرف لغاية تطبيق إصلاحات شاملة، وقد نجح المركزي في العمل على تخفيف الضغوط التضخمية من معدل تضخم 221% عام 2023 إلى 45% في العام 2024 وصولا الى 14.8% في ال 2025 والسبب الرئيسي في هذا كان عامل استقرار سعر الصرف. 

 

لذلك يرى غبريل أنه لا يجب استسهال قرار تعديل سعر الصرف وأي تعديل يجب أن يأتي ضمن رؤية للسياسة النقدية تكون من ضمن خطة إصلاحية إنقاذية. ويضيف: "باعتقادي لا يمكن ولن يقوم المصرف اليوم بتغيير سعر الصرف لأن كل العجلة الاقتصادية تسير على سعر صرف 89500 وحتى ان مصرف لبنان أصدر تعاميم فرض على المصارف التجارية والمؤسسات المالية التي تحت اشرافه أن تقدم بياناتها المالية على سعر صرف 89500 لذى لا يمكن تعديل سعر الصرف لسبب واحد فقط وهو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، فهذا التوجه لن يحسن القدرة الشرائية أصلا".

 

تحدي التطبيق وغياب الضمانات

بدوره يقول الكاتب والباحث في الشؤون الإقتصادية والمالية زياد ناصر الدين: "بالنسبة لتخفيض سعر صرف الدولار لا يوجد أحد في لبنان سيقول لك لا أريده، لكن المشكلة تكمن في غياب الضمانات، فكيف نضمن بأن تخفيض الدولار بنسبة 30%  سيؤدي إلى خفض التجار للأسعار والسلع، أو أن تنخفض مثلا فواتير المولدات الكهربائية؟، وكيف نضمن أن لا يكون هذا الاجراء سبيلاً لأصحاب المصالح والجهات التي تملك رؤوس الأموال لتحقيق الارباح، أو أن يفتح المجال لزيادة المضاربة على الدولار؟

 

التحدي اليوم بحسب ناصر الدين هو في امكانية تطبيق هكذا قرار فنحن في بلد اقتصاده مدولر والاسعار فيه ترتفع ولا تنخفض عند تغير المعطيات، والحلّ الأشمل يكمن بالغاء الاحتكارات وتكبير الاقتصاد وحلحلة الموانع السياسية التي تمنع نمو هذا الاقتصاد، فمشكلة الغلاء وتدهور القوة الشرائية لن يحلّه تخفيض سعر الصرف ولا بد من خطة اقتصادية متكاملة والتوقف عن السير بطريقة "الإستعجال" لتأمين الموارد لأن هذا الاستعجال سندفع ثمنه في الاقتصاد.

 

اذًا يمكن القول بأنه لا يصحّ مقاربة قرار الحكومة المتعلّق بالضرائب عبر الاكتفاء بتعديل سعر الصرف بحجّة تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ما لم يأتِ ذلك في إطار رؤية متكاملة للسياسة النقدية، تكون جزءًا من خطة إصلاحية إنقاذية شاملة للاقتصاد اللبناني. هذه الخطة ينبغي أن تتضمن إصلاحًا إداريًا واقتصاديًا، وإعادة هيكلة المالية العامة والقطاع المصرفي، وترسيخ مبادئ الحوكمة والإدارة الرشيدة، إلى جانب مكافحة التهرّب الضريبي والجمركي، وتعزيز استقلالية السلطة القضائية.