أدّت الحرب التي يشهدها لبنان هذا العام وما رافقها من موجات نزوح داخلي واسعة إلى زيادة الضغوطات على المجتمعات المحلية، ما ساهم في ارتفاع مستويات القلق والانقسام الاجتماعي. وفي ظل هذه الأزمة، تعمل صانعات السلام في مختلف المناطق اللبنانية على الأرض بموارد محدودة، في محاولة للتخفيف من التوترات وتعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المتضررة.
تنشط النساء ضمن شبكة فاعلات السلام في لبنان التي أنشئت بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة. تسعى الشبكة إلى تعزيز السلام والأمن في لبنان من خلال الدفع نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1325 المتعلق بالمرأة والسلام والأمن.
اعتمد مجلس الأمن هذا القرار بالإجماع في 31 تشرين الأول عام 2000، وهو أول إطار دولي يؤكد ضرورة حماية حقوق النساء أثناء النزاعات وضمان مشاركتهن في عمليات السلام وصنع القرار. وعلى الرغم من اعتماد لبنان استراتيجية وطنية لتنفيذ القرار عام 2019، فإن تطبيقه على أرض الواقع لا يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ غالباً ما تدفع النساء الثمن الأكبر خلال النزاعات بينما تبقى مشاركتهن في مساحات صنع القرار محدودة.
وسط هذا الواقع، تحاول فاعلات السلام في لبنان سد هذه الفجوة من خلال العمل المباشر داخل المجتمعات المتأثرة بالحرب والنزوح والتوترات الاجتماعية.
شبكة نشأت لسد فجوة في عملية السلام
تأسست شبكة فاعلات السلام لمعالجة الفجوة بين الدور الكبير الذي تؤديه النساء خلال الأزمات الإنسانية وغيابهن عن عمليات صنع السلام بعد انتهاء النزاعات. وتقول محللة برنامج المرأة والسلام والأمن في هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان ليان الداني، في حديثها إلى مهارات نيوز: "هناك فجوة واضحة في تنفيذ قرار مجلس الأمن 1325. فنحن نرى دائماً أن النساء يدفعن الثمن الأكبر خلال النزاعات، لكن بعد انتهاء النزاعات يتم استبعادهن عن عمليات بناء السلام".
وتوضح الداني أن "الشبكة نشأت نتيجة جهود تراكمية لنساء ناشطات ومنظمات مجتمع مدني في لبنان، إذ بدأت كمبادرة لمناصرة المرأة عام 2022 قبل أن تتطور إلى كيان أكثر تنظيماً واستقلالية عام 2024". وتضيف: "جاءت هذه الشبكة لسد هذه الفجوة، وضمان وجود النساء في قلب عمليات السلام، ليس فقط خلال النزاع بل أيضاً بعده".
وتضم الشبكة حالياً 34 امرأة من خلفيات مهنية وجغرافية متنوعة من مختلف المناطق اللبنانية يعملن في مجالات الوساطة والحوار المجتمعي والمناصرة السياسية والتوثيق التاريخي للنزاعات. كما يعمل بعض أعضاء الشبكة على تطوير المناهج التعليمية، ولا سيما مادة التاريخ، لإبراز دور النساء في التاريخ اللبناني، فيما تنشط أخريات في الحوار بين المجتمعات والوساطة المحلية. وتوضح الداني: "تحوّلت الشبكة من مساحة دعم متبادل بين النساء إلى مساحة للمناصرة أيضاً، مع الحفاظ على الدورين معاً".
تحرّك نسائي في مواجهة تداعيات الحرب
مع تصاعد الحرب في لبنان خلال عام 2026 واتساع رقعة النزوح الداخلي، سارعت عضوات الشبكة إلى التحرك. وتقول الداني: "شعرت النساء أن عليهن التحرك، فأصدرن بيانات تدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المجتمع، وخصوصاً لوقف استهداف النساء والأطفال".
كما وجّهت الشبكة بيانات إلى مؤسسات الدولة اللبنانية شددت فيها على أهمية إشراك النساء في جهود الإغاثة وإعادة التعافي بعد النزاع. ومن بين الإنجازات التي حققتها جهود المناصرة التي قادتها الشبكة، الدفع نحو زيادة تمثيل النساء في الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً. وتوضح الداني أن "نسبة تمثيل النساء وصلت إلى 40 في المئة، وهو رقم مرتفع مقارنة بالفترات السابقة".
النساء في قلب الاستجابة الإنسانية
إلى جانب دورها في المناصرة، تؤدي النساء دوراً محورياً في الاستجابة الإنسانية خلال الأزمات. وتضيف الداني في حديثها إلى مهارات نيوز:" تلعب النساء دوراً أساسياً ومحورياً في الاستجابة الإنسانية والتنسيق. وخلال الحرب المستمرة في لبنان، تعاونت نساء داخل البلاد وخارجها لتنسيق الدعم للمجتمعات المتضررة. فقد ساهمت الجاليات اللبنانية في الخارج في جمع التبرعات، بينما تولت النساء في الداخل تنظيم عمليات توزيع المساعدات في المناطق الأكثر تأثراً بالنزوح، مثل الشمال والبقاع. كما تلعب النساء دوراً مهماً في معالجة التوترات الاجتماعية الناتجة عن النزوح، بما في ذلك الحد من خطاب التحريض الطائفي ضد النازحين".
بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية
في منطقة البقاع، التي تُعد من أكثر المناطق تأثراً بالنزوح، تعمل نوال مدللي كفاعلة سلام ضمن الشبكة، حيث تسعى إلى تخفيف التوترات وتعزيز الحوار بين المجتمعات. وتقول مدللي في حديثها إلى مهارات نيوز: "أثّرت الحرب الدائرة في لبنان هذا العام بشكل كبير على عملي كصانعة سلام في منطقة البقاع، إذ أدت التوترات الأمنية والنزوح الداخلي إلى زيادة الضغط على المجتمعات المحلية وارتفاع مستويات القلق والانقسام".
ومع وصول موجات من العائلات النازحة إلى مناطق تعاني أصلاً من الفقر والتهميش، بدأت تظهر توترات بين بعض المجتمعات المضيفة والنازحين بسبب الضغط على الموارد والخدمات. وتضيف مدللي: "في هذا السياق تضاعف عملنا، إذ نسعى إلى تعزيز الحوار والحفاظ على التماسك الاجتماعي بين مختلف المجموعات، خصوصاً في المجتمعات المتأثرة بالنزوح".
وعلى الرغم من التحديات الأمنية والاقتصادية، تواصل النساء في البقاع دعم العائلات الأكثر ضعفاً من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والدعم النفسي والاجتماعي. وتوضح مدللي: "نشارك في توزيع المساعدات الإنسانية للعائلات الأكثر فقراً، خصوصاً النساء والأطفال المتأثرين بالحرب والنزوح".
الوساطة المحلية وتخفيف التوترات
تلعب النساء أيضاً دوراً مهماً في الوساطة داخل المجتمعات التي تشهد توترات متزايدة. وتقول مدللي: "تلعب النساء في البقاع دوراً مهماً في تعزيز الحوار والتماسك الاجتماعي رغم الظروف الأمنية الصعبة، وقد استمعنا إلى مخاوف جميع الأطراف وعملنا على تهدئة التوترات وإيجاد حلول عملية للتعاون داخل المجتمع".
كما نظّمت فاعلات السلام مبادرة تضامنية شملت توزيع مساعدات أساسية وتنظيم جلسات دعم نفسي للنساء والأطفال. وتضيف مدللي: "هذا التدخل ساهم في خفض التوترات وبناء قدر من الثقة بين العائلات، وأظهر كيف يمكن لدور النساء أن يشكّل جسراً للحوار والتضامن في أوقات الأزمات".
القرار 1325 بين الالتزام والتطبيق
على الرغم من الدور الكبير الذي تؤديه النساء على الأرض، لا تزال مشاركتهن في صنع القرار محدودة، إذ تشير مدللي إلى أن "النساء ما زلن مستبعدات من العديد من أطر التفاوض والقرارات السياسية، إذ نرى أن النساء يقدن مبادرات مهمة على المستوى المحلي، لكن حضورهن في مساحات صنع القرار الرسمية ما زال ضعيفاً".
وتؤكد أن "المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مجرد الاعتراف بدور النساء إلى ضمان مشاركتهن الفعلية في السياسات والقرارات المرتبطة بالأمن والسلام وإدارة الأزمات". يبقى الهدف الأسمى في عمل صانعات السلام هو تحقيق السلام المستدام وترى النساء الفاعلات أنّ "تحقيق سلام مستدام في لبنان يتطلب تغييراً بنيوياً يضع النساء في صلب جهود السلام.
وتختم مدللي قائلة: "إن إشراك النساء في جهود السلام وإدارة الأزمات لم يعد خياراً، بل ضرورة، وتسهم مشاركة النساء في بناء حلول أكثر شمولاً واستدامة، وتعزز التماسك الاجتماعي وتضع الأسس لسلام دائم في لبنان".
وفي ظل استمرار الحرب في لبنان خلال عام 2026 وما خلّفته من تداعيات إنسانية، تثبت النساء في مختلف المناطق اللبنانية أن بناء السلام لا يحدث فقط على طاولات المفاوضات، بل يبدأ من داخل المجتمعات، عبر الحوار والتضامن وبناء الثقة.
TAG : ,نساء ,فاعلات ,سلام ,حرب ,لبنان