لا شيء أشدّ صعوبة من الخوف من المجهول، ومن احتمال مغادرة القرية والمنزل والمدرسة والأصدقاء بحثًا عن الأمان. بالنسبة للطلاب المهجّرين، كان النزوح بسبب الحرب الإسرائيلية عام 2024 كما فيي الحرب الحالية تجربة قاسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد أُجبروا على تغيير مدارسهم والتأقلم مع بيئات جديدة والعودة إلى التعلّم أونلاين مع كل ما يحمله من تحديات أكاديمية ونفسية وعاطفية يومية. ووجدوا أنفسهم مرّة أخرى حالياً خارج مقاعد الدراسة.
ويبقى الشباب والنساء والأطفال الأكثر تضررًا خلال الحروب، إذ يغادرن منازلهم مثقلين بجراح نفسية تهدد سلامتهم وطموحاتهم ومستقبلهم.
قصص وندوب عاطفية
في الثاني من آذار 2026، عند الساعة الثالثة فجرًا، غادرت زهراء (17 عامًا) مع عائلتها بلدة النبطية الفوقا متجهة إلى بيروت، إثر تصاعد المواجهات في جنوب لبنان. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُهجَّر فيها، فهي في الأصل من كفركلا، وقد نزحت عام 2024 إلى النبطية الفوقا، تاركة وراءها منزلها ومدرستها.
كان الانتقال الأول صعبًا عليها، إذ تقول: "المعلمون شككوا في علاماتي العالية ولم يصدقوني، ووجّهوا لي ملاحظات غير مبررة حول مظهري ولباسي كأنني غريبة عن بيئتهم".
ترك هذا التمييز وهذه العزلة الاجتماعية أثرًا نفسيًا عميقًا عليها، تمثل في اضطرابات النوم وفقدان الشهية والبكاء المتكرر في المدرسة. ومع ذلك، لم تفقد زهراء عزيمتها واردفت: "اجتهدت لأحصل على علامات جيدة لأفتخر بنفسي". لكن تكرار تجربة النزوح هذا العام كان مرهقاً لها، وتتابع زهراء:"هذا آخر عام دراسي لي وقد تهجرنا من جديد ولا نعرف إلى أين سنذهب. لا أملك الطاقة ولا القوة لتغيير مدرسة مجددّاً ولا أريد أن أعيش تجربة سيئة مرّة أخرى". ولا يقتصر أثر النزوح على الطلاب فحسب، بل يمتد إلى العائلات الساعية لحماية تعليم أبنائها وسط الفوضى والدمار.
ديانا، أم لأربعة أطفال نزحت من مرجعيون إلى بيروت عام 2024، تتذكر الخوف والاضطراب اللذين عاشاهما أبناؤها خلال الحرب. تروي ديانا قائلة:" كان أولادي يتابعون دروسهم عبر الإنترنت، لكن مع اشتداد القتال لم يتمكنوا من متابعة الدراسة. عاشوا حالة من الخوف والقلق والتوتر، وكنت أطمئنهم بأن كل شيء سيكون بخير، لكن الضغط كان كبيرًا، بعض المعلمين عاملوا أولادي كغرباء لأنهم من الجنوب، فتأثرت ثقتهم بأنفسهم". وقد أجبرها هذا التمييز على نقل أولادها إلى أكثر من مدرسة. وقد حرصت ديانا على توفير الدعم العاطفي لأولادها في المنزل، قائلة: "طلبت منهم أن يبقوا أقوياء ويركزوا على دراستهم ويثقوا بالله".
الأثر النفسي للنزوح على الطلاب
إن الاضطرار إلى مغادرة المنزل يمكن أن يترك أثرًا عميقًا على نفسية الطالب. تشرح المعالجة النفسية نانار إكناديوسيان أن الشعور بعدم الأمان يُدخل الجسم في حالة "الكرّ أو الفرّ"، وهي استجابة تلقائية تترافق مع تسارع ضربات القلب والتنفس وارتفاع الأدرينالين. يعيش هؤلاء الطلاب وكأنهم في حالة صراع البقاء. هذا الضغط المستمر يعيق التركيز والذاكرة والتعلم، وقد يؤدي إلى التوتر العاطفي وسرعة الغضب وفقدان الدافع للتقدم والاستمرار. وتضيف: "عندما يشعر الطلاب أن محاولاتهم بلا جدوى، فإنهم يتوقفون عن المحاولة".
يتجاوز الأثر النفسي الاستجابة الفورية للتوتر، ليشمل ضغوطًا اجتماعية أعمق، لا سيما على الفتيات. ففي أوقات الحرب والنزوح، يتوقع المجتمع من النساء والفتيات إظهار قدر أكبر من التضحية والصبر، ممّا يزيد الضغط الخارجي والتوتر الداخلي. وغالبًا ما يشعرن بمسؤولية رعاية الآخرين بدلًا من التركيز على تعافيهن الشخصي.
كما يزيد التمييز والإقصاء الاجتماعي من حدة المعاناة، إذ قد يُنظر إلى الطالبات النازحات فقط من خلال صفة "النازحة"، مما يرسّخ شعورًا بعدم الانتماء والعزلة. وقد تظهر مؤشرات الضيق النفسي في اضطرابات النوم، أو تجنب المدرسة، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، أو تراجع التحصيل الدراسي.
وفي فترات التوتر الشديد، سواء بسبب الحرب أو الضائقة الاقتصادية، ترتفع معدلات العنف الأسري، ممّا يفاقم شعور الطلاب بعدم الأمان ويؤثر سلبًا على صحتهم النفسية.
وتؤكد إكناديوسيان أهمية اعتماد المعلمين أساليب تعليم تراعي الصدمات النفسية، تقوم على فهم ما مرّ به الطلاب ودعمهم بدل من مطالبتهم بالتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
كما تنصح الطلاب بالحفاظ على روتين يومي بسيط، والبقاء على تواصل مع الأسرة، واللجوء إلى تمارين التنفس لتهدئة القلق. وحتى ممارسة الشعائر الدينية قد تكون مفيدة لبعض الأشخاص. بيئة مدرسية داعمة ومتفهمة قادرة على مساعدة الطلاب النازحين على مواصلة التعلم وبدء مرحلة التعافي.
ثغرات حكومية ومنظماتية
توضح منسقة البرامج التعليميّة في جمعية المتطوعين في الخدمة الدولية في لبنان (AVSI) ، أمنية عرب أن "الطلاب النازحين يواجهون تحديات متعددة تعيق حصولهم على تعليم مستمر وجيد. وتقول: "فقدان الدخل يجعل تكاليف الأقساط المدرسية والنقل والقرطاسية والزي المدرسي عبئًا ثقيلًا على الأهل والطلاب ، كما تؤدي الاكتظاظات واختلاف المناهج إلى زيادة صعوبة العملية التعليمية".
وتشير إلى أن "الانتقال المتكرر خلال العام الدراسي يزيد خطر ترك المدرسة، خاصة في ظل الفجوات التعليمية المتراكمة منذ الأزمة الاقتصادية و جائحة كورونا والإضرابات السابقة. وتلفت عرب إلى فروقات جندرية؛ إذ "تميل الفتيات إلى الانتظام في المشاركة وتحميل أنفسهن الضغوط النفسية، بينما قد يُظهر الفتيان التوتر بسلوكيات مؤذية أو ترك المدرسة والتوجه المبكر إلى سوق العمل".
منذ عام 2023، نفذت المؤسسة مبادرات عدة، منها توفير دروس عن بُعد ودعم نفسي اجتماعي مدمج بالتعليم. وبعد وقف إطلاق النار، استؤنفت البرامج الحضورية في مراكز مرجعيون والنبطية وصيدا والبقاع، وشملت أنشطة دعم أكاديمي وتأهيل المدارس، بما في ذلك خدمات الأطفال ذوي الإعاقة.
القراران 1325 و2250: حماية النساء والشباب في النزاعات
يؤكد قرار مجلس الأمن 1325 على أهمية حماية النساء وتمكينهن ومشاركتهن أثناء النزاعات، بينما يشدد القرار 2250 على إشراك الشباب في بناء السلام وصنع القرار. وتكمن أهمية تنفيذ هذين القرارين في ضمان تمتع النساء والشباب بحقوقهم الأساسية، والحصول على التعليم والحماية والدعم النفسي، والمساهمة الفعّالة في صنع السياسات والقرارات التي تؤثر على مجتمعاتهم. وبما أن لبنان قد صادق على هذين القرارين، فإنه مُلزم بتحويل هذه المبادئ إلى سياسات عملية وبرامج تنفيذية تضمن حماية الفئات المتضررة وتمكينها على أرض الواقع.
ومن هنا، تقع على عاتق صناع القرار والمنظمات والمجتمعات المدنية مسؤولية التحرك العاجل لتوفير الدعم النفسي وبدائل تعليمية تضمن عدم ضياع العام الدراسي أثناء النزاعات. بالنسبة للطلاب المهجرين، يشكل التعليم نافذة لاستعادة السيطرة على حياتهم، ورسم مسارات مهنية، والحلم بمستقبل يتجاوز الحروب والنزاعات.
TAG : ,طلاب ,لبنان ,مهجرين ,حرب ,عدوان ,مدرسة ,دراسة