Loading...
بلدية طرابلس: من واقع سيء إلى أسوأ

 

لمعالجة أزمة عواميد الإنارة المطفأة في بعض شوارع مدينة طرابلس،  لا تجد البلدية حلاً إلا فكّ لمبات من الأزقة الفرعية ونقلها الى الطرقات الرئيسية، في ظل نقص الموارد والإمكانيات، على وقع الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان. 

ويقول الناشط المواكب لأداء البلدية  في طرابلس مصباح الساكت لـ"مهارات نيوز": "الوضع ما قبل الأزمة كان سيئاً، أمّا اليوم فهو أسوأ".

ويضيف: "كان بإمكاننا في السابق رغم وضع البلديّة المأساوي التواصل مع أعضاء فيها لإغلاق حفرة أو إضاءة شارع، أمّا اليوم فلا يوجد اسفلت، والآليات تتحرّك عند الضرورة القصوى، ويتمّ تحديد موعد موحّد لسحب مياه الصرف الصحّي".

تعاقبت على طرابلس مجالس بلديّة عدّة فشلت في تنمية المدينة، لأسباب عدّة، على وقع  التحاصص والمحسوبيات والفساد.أمّا اليوم وفي ظلّ انهيار السلطة وفشلها في إدارة البلد وعدم قدرتها على المساهمة في تمويل البلديات من الصندوق البلدي، "ازداد الطين بلّة"، ليزداد الواقع البلدي السيّء سوءاً، فكيف ينعكس الانهيار اليوم على دور البلديّة وواقعها المالي؟

تراجع الإيرادات

تشكّل الرسوم المستوفاة من الدولة لحساب البلديات (عائدات البلدية من الصندوق البلدي المستقلّ) جزءا أساسيا من إيرادات  البلديّة وقد بلغت هذه العائدات في طرابلس ما يقارب 37 مليار في العام 2015، لتصبح 19 مليار في العام 2018.  أمّا اليوم فلا عائدات من الصندوق كما هي الحال بالنسبة لكل البلديات.

من ناحية أخرى، تشكّل الرسوم المستوفاة مباشرة من الناس إحدى واردات البلديّة، فهل يدفع المواطنون اليوم الرسوم والضرائب المتوجبة عليهم؟.

 يجزم الشاب الطرابلسي، الجواب البديهي هو "لا". قبل الأزمة كان لسان حال معظم الطرابلسيين "ماذا فعلوا لي لأدفع لهم؟"،  أمّا اليوم فلا حاجة لتبرير الامتناع عن الدفع في ظلّ الفقر المتراكم".

وتعد طرابلس من أفقر مدن لبنان رغم موقعها الجغرافي الاستراتيجي ووجود مرافق رئيسية فيها، لكنها تعاني من الإهمال المتمادي. وتعاني المدينة من تسرب مدرسي وأميّة فاقت نسبتها 50%. ويجعل هذا الواقع غالبية سكان المدينة يعيشون ظروفاً صعبة يسهل استغلالها من الطبقة السياسيّة خدمة لأجنداتها.

يحمّل عضو البلدية سميح الحلواني المسؤولية الأساسية في غياب التنمية الشاملة إلى الدولة اللبنانية التي وضعت طرابلس "خلف ضهرها"، معتبراًأن تحقيق التنمية الشاملة يفوق قدرة البلديّة التي تحاول اليوم القيام ببعض الخطوات، كترميم البيوت المتصدّعة، لكن يبقى انهيار الليرة العائق الأساسي.

ولعلّ ما يزيد الوضع سوءاً هو الخلاف السياسي داخل البلدية ذاتها. ويشرح حلواني أنّ الشرخ الموجود بين أعضاء مؤيّدين لرئيس البلدية رياض يمق  وآخرين معارضين له يشكّل عائقا أمام عمل البلدية.

وبدأت الأزمة، وفق ما يوضح الصحافي المتابع للشأن البلدي في طرابلس ابراهيم فتفت،  مع فوز لائحة دعمها المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في الانتخابات البلدية الأخيرة، وانقلاب المجلس البلدي على الرئيس السابق أحمد قمر الدين باعتباره تابعاً للسلطة السياسية، ليحلّ يمق مكانه. لكن المجلس البلدي بقي منقسماً سياسياً بين مؤيّد للرئيس ومعارض له أو محايد، ما أعاق العمل البلدي.

غياب المتعهدين

 على غرار الحال في بلديات كبرى، أبرزها بيروت، تغيب المشاريع والتعهّدات تماما اليوم عن مدينة طرابلس، كما يؤكّد حلواني.

 وكمثال على ذلك، يروي الساكت أن زيتون أابو سمرا وهي منطقة جديدة في طرابلس دخلت في التخطيط المدني تحتاج لشبكات صرف صحّي وبنى تحتية، وعلى الرغم من إقرار دفتر الشروط من البلديّة، إلاّ أنه لم يتقدّم أي من المتعهدين للمناقصة. ، وتطلب الشركات المقدمة للخدمات، على وقع انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار،  مبالغا مضاعفة تفوق قدرة البلديّة.

قبل الأزمة، فاز أحد المتعهّدين بمشروع تعبيد  طرقات طرابلس. لكن على وقع  الأزمة المستمرة، أبلغ المجلس البلدي أنّه مستعد لدفع البند الجزائي كونه  أقلّ خسارة عليه من إكمال  المشروع.

يقول فتفت من خلال متابعته الميدانية إنّ عدداً من الأبنية المتصدّعة تكاد تنهار على رؤوس قاطنيها. وأدى انهيار أحدها آخر السنة الفائتة الى وفاة شاب وفتاة. وتغيب البلدية منذ سنوات عن أعمال الترميم والصيانة وتأمين البديل. ويعتبر أنّ مصلحة طرابلس وأهلها تقع في آخر سلّم الأولويات وبعدما كان الهدر والفساد سيدي الموقف سابقاً، جاء  الشرخ الحاصل في البلدية والأزمة الإقتصادية ليفاقما الوضع سوءاً.

 بالأرقام

في تقرير نشرته مؤخراً، قارنت مبادرة غربال  إيرادات ونفقات العديد من البلديات بينها طرابلس، حيث تبيّن أنّ البلديّة حقّقت وفراً  من العام 2014 حتّى 2018، بلغ أدناه 7 مليارات و731 مليون ليرة في العام 2017 في حين وصل أعلاه إلى 59 مليار و179 مليون ليرة في العام 2016.

ولم تكن بلديّة طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان، تعاني من أي أزمة مالية قبل الانهيار الاقتصادي. وتظهر بيانات  مبادرة "غربال"  أن الأموال الضخّمة التي استوفتها البلدية  من رسوم مباشرة ومن إيرادات الصندوق البلدي، قابلها إنفاقاً ضئيلاً على الأصول الثابتة الماديّة أي التجهيزات والإنشاءات والصيانة والتنمية وغيرها.

وتوضح المبادرة أنّ البلدية تنفق نسبة كبيرة من الإيرادات على المخصّصات والرواتب والأجور وصلت في العام 2018 إلى 71%  من الإيرادات.

ويقول  الساكت في هذا الإطار إنّ طرابلس مدينة كبيرة، وجغرافياً تحتاج إلى عدد كبير من عناصر الشرطة ، لكن واحدة من الأزمات في في آلية التوظيف بحدّ ذاتها. . ويتابع: "لدينا الكثير من الكفوئين لاستلام منصب رئيس الشرطة في البلدية، نما الواقع اليوم أنّ الرئيس مؤهّل أوّل منتدب من فرع المعلومات".

ويبرّر حلواني ذلك  بالنقص في عدد الموظّفين. وتعليقاً على وجود ملازم أول على رأس الشرطة البلدية، يقول: "هكذا تتدخل اليد السياسية في العمل البلدي".

وبعد انتخابه رئيساً، اتخذ يمق قرارات بنقل موظّفين متهمين بالهدر والفساد من مراكزهم، لكن سرعان ما تمّت إعادتهم إلى مناصبهم دون محاسبة، والأرجح  بضغط سياسي على البلدية، وفق حلواني.

ولا يرى الساكت حلاً في المدى القريب إلا بانتخاب بلديّة قريبة من الناس تلامس همومهم اليوميّة بنفس ثوري وقوي بوجه كل العقبات السياسية المتوقّعة لتتمكن من تحقيق الانماء.

تجسّد البلدية كسلطة محليّة دور الدولة في المناطق، فهي الموكلة بتسيير شؤون المواطنين وحل شاكلهم على نطاق أصغر، لكنها تشكّل في لبنان صورة ومثالاً مصغراً عن النظام، فلا رقيب ولا حسيب وسط الفوضى القائمة والمواطنون هم الضحيّة

TAG : ,طرابلس ,بلدية طرابلس ,الأزمة الإقتصادية ,أزمة ماليّة ,فساد ,ايرادات ,رئيس البلدية